"الطريق" وخفّة الحياة

بدر أحمد:

متأخراً جداً، تمكنتُ من حضور فيلم "الطريق" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد، الفيلم الحائز على جائزة مهرجان قرطاج السينمائي كأفضل سيناريو وأفضل ممثل.
يحكي الفيلم قصة طالب، حكمت عليه مدرسته بالفشل، ولكن جدّه صالح (موفق الاحمد)، الدكتور الجامعي المتقاعد، المنعزل في بيته الريفي، يتمكن من تحويل وهم الفشل إلى نجاح وتفوّق، في استلهام لقصة العالم أديسون الشهيرة مع فارق بسيط، هو أن الجدّ يتكفل هنا بالتدريس لأن الأم متوفاة، والأب مهاجر في طلب العمل. وفي بيئة كهذه، من الطبيعي أن يفشل الطالب، خاصة إذا كانت المدرسة في ذهنه ليست سوى "فيقة بكير"، لكنّ الجدّ موهماً إياه انه "عبقري"، استطاع أن يضعه على طريق النجاح والتفوق.
في البداية يطلب الجدّ من حفيده، الذي يحمل اسمه، أن يسجّل كل مايحدث على الطريق أمام دار جده، ومع أن الطريق شبه مقفر ولايعبره سوى بعض العربات، وبعض الأهالي، لكن المخرج /المؤلف ينتقي الأحداث التي تقدم دروساً فلسفية من خلال البساطة المفرطة..
ثم يقرر الجد صالح أن يبيع الأرض ويبني غرفة / مدرسة خاصة بحفيده ويختار له معلمين غير نمطيين..
الأستاذ نبيل للفيزياء والدرس الأول عن الصرصار، والأستاذ ياسر للرياضيات والدرس الأول "علمتني الرياضيات". والأسماء في الفيلم لها مدلولاتها، فرسالة المعلم نبيلة، والتعليم يجب أن يكون يسيراً، وصالح ليس طالحاً كما ادّعت مدرسته!
من حوادث الطريق:
يتكرر مرور مجموعة من الرجال الذين يعبرون الطريق ذهاباً وإياباً. في الذهاب يدبّ فيهم الحماس لمعركة "وهمية" حاملين العصي والرفوش والمناجل، وفي الإياب يجرون أذيال الهزيمة والانكسار وتسيل منهم الدماء.. ويتكرر عبور رجل "الريح" او "الضراط" الذي دفع ثمن خطأ طبي فيضطر للاعتذار للآخرين عن ذنب لم يرتكبه.. وتلك المرأة التي تلاحق زوجها بالشحاط والحجارة والمسبات لأنه باع أرضه لكي يتزوج عليها.. و المرأة البسيطة "أم جميل"، مرضعة صالح بعد وفاة أمه، التي تجلب له يومياً زجاجة حليب من عنزتها وتطلب منهم "لاتغسلوها"..!
ربما يبعث هذا التكرار على الملل ولكن قد يكون أيضاً دلالة على المراوحة في المكان والهزيمة المستمرة، لذلك ترانا في الفيلم نضحك تارةً ونبكي تارة في اختلاط عجيب للمشاعر..
كما يتكرر مجىء إلهام، زميلة صالح في الصف السابع، التي تجلب له رغيف خبز..
وبعد الخبز، يأتي الحب، وعلى لسان الجد صالح: "الخبز أقدم من الحب"..
الحب ليس أعمى:
لاينجح فيلم أو رواية أو كتاب، دون قصة حب. وقصة الحب بين إلهام (راما زين الدين) وصالح تبدأ برغيف خبز ثم "بحبّك" ثم يقول لها: "بس شوفك بحسّ قلبي طبل عم يدق والدني كلها عم تسمعه".. ثم تأتي صدمة الحب، ولكلّ حب صدمة، وتشتعل نار الغيرة التي أطلقت شرارتها إلهام.
يقول الجد صالح، سعيداً بالدرس الذي سيتعلمه الحفيد من الغيرة: "الغيرة هي شوك الورد.. زينة وحماية له". الهام تمشي تحت المطر، وصالح يحاول أن يضع كيس النايلون على راسها لحمايتها من البلل ترمي النايلون عنها: "حلّ عنّي".. يُضرب صالح عن الطعام ويهرب ليلاً إلى الغرفة / المدرسة ليكتب على السبورة رسالة لحبيبته الهام فيها قسمٌ بروح أمّه أنه يحبها ولم يكذب عليها..
يسأله جده: "كيف كتبتْ عالعتمة؟".
- "مابعرف.. بس كنت عم شوف لما كتبتها"!
"مالك علاقة":
عبارة نسمعها منذ بداية الفيلم من هؤلاء الرجال الذين يمضون إلى معركتهم الوهمية، تتحول في إيابهم المهزوم إلى "سدّ بوزك" أو "كوول....."..
يمتطي المخرج / المؤلف صهوة السخرية حيناً والفكاهة حيناً آخر لبعث التشويق لدى المشاهد. فأثناء الدرس الأول، يتوقف الرجال، ويسأل "رأسهم" المدمّى الأستاذ صالح:
_ شو عم تعملوا هون؟
يردّ الأستاذ باختصار: "مالك علاقة" مستخدماً أسلوبهم نفسه على مبدأ: "وداوني بالتي كانت هي الداء". ومن النقد الساخر أن الجدّ صالح باع الأرض ليعلم حفيده بينما ذلك الرجل باع الأرض ليتزوج على زوجته..!
نقد للواقع التعليمي:
ولابُدّ للطالب لكي يتعلم بدقة، من مدرسة، ولو بغرفة واحدة، ومقعد واحد، وسبورة، ومعلمين لانمطيين.. هنا الجدّ صالح في البيت، يصبح الأستاذ صالح في المدرسة، إشارة إلى مسافة الإحترام التي باتت مفقودة هذه الأيام. درس الفيزياء الأول عن الصرصار، ودرس الرياضيات الأول "علمتني الرياضيات" التي هي دروس في الحياة قبل أن تكون أعداداً ورموزاً ومعادلات جافة.. هناك نقد واضح للطريقة التعليمية التي لا ترتبط بالحياة، لذلك يكون الدرس الأول بعنوان "خفّة الحياة". والخفّة دلالة على الرشاقة واللّطف والرقّة، فنقول خفّة الدم، وخفّة الظل، وخفّة الروح، ويا حبذا لو كان هناك درس آخر بعنوان "علمتني الحياة" لأن دروس الحياة أبلغ وأشدّ تأثيرا من دروس المدرسة..
"بحبك":
فكرة الجد أن يجلس حفيده على قارعة الطريق ليسجل كل حادثة، فكرة جميلة تحولت في النهاية بعد تنقيح الجدّ إلى رواية، وهي فكرة الفيلم كما نعرف. قد تبدو الفكرة مجرد "شخبطات" كما أطلقت عليها الهام، وقد لا تعدو كونها تلصّص على حياة الآخرين ومشاكلهم وهذا من صفات الشخصية النكدية السلبية على حد تعبير الجدّ في إحدى دروسه لحفيده. ماذا لو كانت الفكرة ان يقف أحدنا على قارعة الطريق ليقول لكل من يمرّ به: "بحبك" أو "بحبكم" ثم نرصد التحولات الإيجابية لهؤلاء الأشخاص؟!
النفخ في الرماد:
قبل عودة صالح من بعثته الأوروبية، طبيباً متخصصاً في الأعصاب، تحضر الهام، الطالبة الجامعية، إلى عند جده لتجده ينفخ النار تحت طنجرة "الشوربة" فتشاركه عملية النفخ لبعث النار من جديد في الرماد.
طبيعة خلابة:
تجري أحداث الفيلم في البيئة الساحلية الساحرة والأثيرة لدى المخرج ولكن ذلك لم يستطع منافسة النص الذي فرض نفسه على بيئة العمل واستحق بالتالي جائزة أفضل سيناريو.
خاتمة:
لو دققنا في مشهد "التراكتور" أو "التريللا" التي تعبر الطريق في بداية الفيلم، نلاحظ انه خرج عن الطريق قليلاً. قد لا يكون ذلك مقصوداً، ولكن ربما تكون إشارة اننا قد خرجنا عن الطريق لافي التعليم فحسب، بل في غير مجال من مجالات الحياة التي لم تعد تحمل صفة الخفّة.
همسة:
أليس من الواجب تحفيز طلابنا لحضور هكذا افلام تعلمهم كيف يحولون الفشل إلى نجاح، بدلاً من ألعاب "الببجي" وترّهات اليوتيوب؟!