لنتذكر معاً شيخ النحاتين السوريين الراحل سعيد مخلوف
ولد سعيد ابراهيم مخلوف في قرية «بستان الباشا»، التابعة لمحافظة اللاذقية عام 1925.
كانت البدايات الفنيّة الأولى لسعيد مخلوف في مسقط رأسه، إبان المرحلة الدراسيّة الأولى عام 1932، وقد توزعت رسوماً فوق هوامش دفاتر المدرسة. ثم خرج من هذه الهوامش إلى اللوحة كاملة المقومات والخصائص، ثم إلى النحت وملحقاته من الفنون التي يندرج بعضها تحت اصطلاح «الفنون التطبيقيّة»، وبعضها الآخر أقرب إلى الحرف والصناعات اليدويّة. تدريجياً صار كل شيء حوله يُثيره ويُحرضه ويُغريه للمضي قدماً في الكشف والبحث والتجريب.
لم يتخرج سعيد مخلوف من أكاديمية، وكانت الحياة والتجربة والتاريخ مدرسته التي اكتسب خبراته منها وتعلم فيها الحفر على الصخر والخشب، وصار اسمه مرافقاً للنحت السوري، وامتد اسمه على رقعة واسعة من أرض سورية، من التمثال المجنح الذي يلاقي القادمين الى دمشق من مطارها، إلى المنحوتات العديدة المتوزعة في أرجاء معرضها الدولي وبحيراته وحدائقه، إلى قاعات المتاحف في دمشق وحلب وغيرها من المدن السورية والعواصم العربية والاجنبية، حيث انتقلت منحوتاته برفقة المتذوقين للفن الأصيل.
أولى أعمال الفنان سعيد مخلوف في النحت، كان في عام 1941، عندما كان طالبا في مدرسة «اللاييك» بطرطوس، حيث نقش على الحجر «جاندارك تتحدث الى ملاك» بحسب ما تخيل. ومن ابرز منحوتاته «الحريم والتكاثر والعائلة في العام الثالث ـ تمثال امرأة من الحجر». وقد كانت مادته من خشب الزيتون والحجر والنحاس والعظام، يبلور فيها المادة الجامدة ويجعل الحياة تضج بالحركة، عندما تتحول إلى قطع مقتطعة من الطبيعة، تترجم عشقه العميق لها، طيور ونباتات وحيوانات تجاوز المنحوتات الخشبية والحجرية والمصنوعات الخزفية الرقيقة ومشغولات الخرز والزجاج الملون، والأقنعة التي برع بها وتميز، وهي تمثّل أعلاماً من الحضارات القديمة، يأخذها من متاحف التاريخ التي كان يتردد عليها باستمرار، كما كانت الحضارة السورية مصدر إلهامه في تطويع خشب الزيتون الى مجسمات ناطقة.
أقام سعيد مخلوف أول معرض للنحت في سورية، عام 1964 في منزل موره لي، وربما سبقه في العام ذاته معرض له في المركز الثقافي العربي بدمشق، كما شارك في معارض الخريف التي كانت تقيمها وزارة الثقافة، واقام العديد من المعارض الفردية الكثيرة، وشارك بعدة معارض في فرنسا وبريطانيا والمانيا.
تمرد سعيد مخلوف على الدراسات الاكاديمية، وكان يرى ان النحت عالم خاص متميز، ويعتبر نفسه صاحب مدرسة خاصة.
في أثناء وجوده في بيروت عمل سعيد مخلوف في السينما أيضاً، فقام بالتمثيل، واشتغل «بالماكياج» والتصوير. وفي عام 1962 عاد من لبنان إلى بلدته حيث بدأت انطلاقته الكبرى مع فن النحت، بشروعه المجتهد والمتواصل، في تنفيذ كثير من الأعمال النحتيّة الحجريّة والرخاميّة والخشبية.
كرم الفنان مخلوف مرات عديدة، وصارع المرض فترة طويلة، وقاومه بالمثابرة على النحت. كان معروفا بحبه للحضارة السورية، ولم يكن يحب الأضواء، عاش ببساطة وأنفة كل حياته، وقد أقام فترة طويلة في دمشق، إلى أن وافته المنية فيها في عام 2000 عن عمر 75 سنة.
منح وسام الإستحقاق السوري مطلع عام 2000 عام وفاته.
إعداد: محمد عزوز
من كتابي (راحلون في الذاكرة) برسم الطبع