باريس هي الموضة
علي بدر- فينكس
أينما سرت تلاحقك أسماء مثل شانيل، إيف سان لوران، لوي فيتون، كأنما هي سر من أسرار تصنيع الحلم. شهرة مصممي الأزياء تتجاوز بكثير شهرة أبطال السينما، والرسم التخطيطي الأصلي، يتحول إلى ثياب تؤديها عارضة الازياء تستعيد فيها أداء المسرح، وتبقى في الذهن التنورة القصيرة لكاترين دينوف التي صممها كريستيان ديور في فيلم "يوم جميل" الذي أخرجه بونويل، أو الكنزة الصوفية التي ارتدتها صوفي مارسو والتي صممها ايف سان لوران في فيلم شفق أخير لكارل جيتانو. لقد صنعت باريس نوعاً من الإعجاز الجمالي الكلي، ليس فقط بالتناغم بين الألوان، إنما بالتناسق المذهل بين جسد المرأة والملابس، وجعلت من التفصيل أو (الخياطة) قادرة على إنتاج نوع من الرعشة الجمالية لا تقل توهجاً عن الرعشة المكتسبة من الفن.

لقد صمم لوران في الستينيات للمرأة زي السموكن الرجالي الذي لم يعد حكراً على الرجال منذ ذلك الوقت.
فعقد الستينيات في أوروبا هو عقد الانبهار بالروحانية الهيلينية والرفض الجماعي للمؤسسة البرجوازية، ورفض الأخلاق التقليدية حتى من قبل أبناء هذه الطبقة الذين التحقوا بالجامعات. وما كان لإيف سان لوران أو مصممي الأزياء الآخرين أن ينفلتوا من هذا الافتتان الخلاب بالصرعات والموديلات التي طرحتها ثورة أيار، المتعة المتفلتة والفوضوية التي لم تروضها السلطة بعد.
لقد تأثر مصممو الأزياء ولا سيما إيف سان لوران بهذه الثورة الجسدية التي طرحها الغرب كنوع من الافتتان بالموجود والكائن بديلاً من النزعة الرأسمالية والعقائدية التي أنتجت الحربين الكونيتين.
وهكذا صعدت هذه الروح الصاخبة لا من صالات العرض البرجوازية المترفة، إنما من مفرق الأوديون، ومن رصيف مقهى كلوني، ومن تقاطع سان ميشيل وسان جيرمان، صعدت هذه النزعة الخلاقة من مقاهي الحي اللاتيني التي أطلق عليها سيباستيان سالازار بوندي:

«معابد الله الأكثر إثارة في الكون».
إنه عصر العودة إلى الهيلينية العظيمة التي كبحتها البرجوازية المتقشفة، عصر الطلاب، والفنانين، والمغامرين، والبوهيميين في باريس التي أصبحت مدينة الثورة بلا منازع. المدينة التي سكرت بمغامرة أيار 1968، عندما ملأ شباب باريس الحي اللاتيني بالمتاريس، وأعلنوا وجوب أن نكون واقعيين ونختار المستحيل، عصر اليسار الجديد الذي أطلقه كوهن بينديت بالتناقض مع العقائدية الجامدة للحزب الشيوعي الفرنسي.