حين تومض الذاكرة.. النادي السينمائي في طرطوس
أحمد غانم- فينكس:
تأسس هذا النادي في عام 1981 على يد نخبة من المثقفين ومن جميع الأطياف السياسية والاجتماعية في محافظة طرطوس، وهذه ميزة له دون سواه من الجمعيات التابعة للشؤون الاجتماعية والتي يزيد عددها على 700 جمعية أغلبها ذات صبغة دينية.
وينفرد النادي السينمائي بشخصيته الاعتبارية على أنه النادي الثقافي الوحيد في المحافظة. قدّم عروضه على صالة المركز الثقافي وصالة الكندي في طرطوس. كما قدّم عروضه عبر آلة العرض المحمولة في أغلب مناطق المحافظة. وبذل أعضاء مجلس الادارة المنتخبون عبر دوراته العادية جهوداً جبارة في تأمين الأفلام من المؤسسة.العامة للسينما وعلى نفقتهم الخاصة.

قدم النادي أسابيع السينما العالمية والسورية واستضاف مخرجين نذكر منهم: محمد ملص. عبد اللطيف عبد الحميد. سمير ذكرى. أسامة محمد. خالد حمادة. نبيل المالح. وغيرهم كثر. ونقّاد منهم: صلاح دهني ومحمد الأحمد وسعيد مراد وهند ميداني. كما استضاف شخصيات سينمائية عالمية وصحفيين وكتاب.
والسؤال المهم والأهم هو: ماذا قدم لأعضائه ورواده؟
كانت السينما كفن جديدة كلياً على مجتمع طرطوس. كنا نحضر أفلاماً للمتعة والتسلية على الرغم من قلة عدد دور السينما. ولم تكن لدينا فكرة دقيقة عن السينما كفن.
بدأنا نتعامل مع الفيلم السينمائي من خلال مخزوننا الثقافي الضحل في هذا المجال. ولهذا كان الكثيرون يتعاملون معه كقصة مصورة. وفي المناقشة التي تلي عرض الفيلم كانت الحوارات في أغلبها تدور حول القصة وكأننا نقرأ رواية. و أخذنا نبحث في النقد السينمائي وكيف يمكن أن ندخل إلى أعماق العمل الفني. وتدريجياً صرنا ننتبه للمشهد السينمائي والصورة أو اللقطة السينمائية و إدركنا العلاقة بين الصورة والتشكيل وكيف يأتلف الخيال مع الواقع ويمتزجان في عمل فني على مقدار موهبة مبدعي العمل وقدرة المتلقي على الاستقبال... و أخذنا ندرك الصلة بين الموسيقا والتشكيل والمشهد لتغدو ذائقتنا الفنية أكثر رهافة وقدرة على تذوق الجمال في كلية العمل وجزئياته و أداء الممثلين والمخرج والمصور والموسيقا التصويرية والديكور... الخ.
وقد حاول البعض أن يؤدلج كل فيلم وكل صورة بعيداً عن الفن. كما حاول بعض الأفراد وبعض الجهات محاربة النادي و إلغائه. إلّا أننا استمرينا في العروض في حين توقفت نوادي سورية جميعها عن تقديم العروض بما فيها نادي دمشق التابع للمؤسسة العامة للسينما والذي يضم المخرجين والممثلين السوريين. وعملنا بصمت من خلال مبدأ رواقي بسيط لخصه قيصر روما الفيلسوف الرواقي (والرواقية فلسفة أسسها زينون السوري في طيبة) ماركوس أورليوس بقوله:
"ثقفهم إن استطعت و إن لم تستطع تحملهم".
أنا شخصياً فهمت مقولة "الفن للفن" فهماً جديداً ومنفتحاً وصرت من أنصار المقولة حين تعني: ليس للفن هوية طبقية و إن كان كل فن يصدر عن رؤية تحمل هماً اجتماعياً ورؤية تتفاوت في عمقها و لكنها تحمل لحظة أو جزءاً من الحقيقة أو الظاهرة. و لكن لا يوجد فن بروليتاري و آخر رأسمالي و ثالث بين بين. هناك فن أو لا فن. و القيمة الجمالية في العمل الفني تتعلق بمبدعها المرسل ومستقبلها المتذوق. فكل معرفة و كل وعي مهما كان نوعه هو علاقة بين الذات والموضوع. ثقّف نفسك ترى قيما جمالية في أعمال لم تلفت انتباهك سابقاً.
أخيراً أقول: سعدت بالعمل مع زملاء من محبي السينما والفن والجمال. وقد شغلت رئيساً لمجلس إدارة النادي لمدة 15 خمس عشرة عاماً، و أنا فخور بهذا العمل كجزء من تاريخي الشخصي المتواضع.
_________
ملاحظة: أعتذر عن ذكر اسماء زملائي الذين ساهموا في نشاط النادي سواء في مجلس الادارة او من خارجه فهم كثر ولا يتسع المجال هنا لذكرهم، و أنا فخور بعملي معهم وبما قدموه. وكانت خلافاتنا سواء الايديولوجية أو الفنية والجمالية مصدر غنى كبير لي. فشكراً لكل من عمل وساهم في نشر ثقافة فنية وجمالية نفتقر اليها في عالمنا العربي البائس.