مُسلسل "الخربة".. شُخوصُ المَكان في ذاكرةِ الدراما

 معين العماطوري - السويداء- فينكس:
ما تزالُ أحداثُ العمل الدراميّ "الخربة" تأخذُ بُعدَها المكانيّ والجُغرافيّ، وتُسقِطُ واقِعاً محليّاً على واقعٍ عربيّ مُتنوّعِ المَقاساتِ والأبعاد، وربَّما كُنَّا بحاجة إلى جُرعةٍ دَسِمة منَ الأعمالِ الكوميديّة التي من شأنِها أن تبعثَ في النفوسِ الأملَ والتفاؤل، ويُشاهد بعضُنا بفضلِها ابتسامةَ الآخر.
حولَ الرؤية المُسبّبة للتفاعُل معَ طبيعةِ الشخوصِ وارتباطِها في الذاكرة التقت منصّةُ "فينكس" بتاريخ ١١/٢/٢٠٢٢ الفنّان "معن دويعر" نقيب الفنانين في "السويداء"، والذي بيّنَ أنَّ مُعاناةَ وصُعوباتِ الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي نعيشُها يوميّاً شكّلت جُرأةَ هذا المسلسل في المُعالجة الدراميّة والدلالة الواقعيّة لها، حينَ وقفَ المؤلّف د. "ممدوح حمادة" على عَتَباتِ التاريخ،ممدوح حمادة لتعودَ بالذاكرة إلى الحجارةِ الصُّلبة السوداء التي تنبعُ من شقوقِها حكايا الأجداد، وذكرياتُ الماضي بما يحمِلُ من شُجون، لافِتاً إلى طرحِ العمل باللهجة المحليّة، وبشخوص بعضُهم ينتمي جغرافيّاً إلى تلكَ المنطقة، وبعضهُم لا ينتمي. ولعلَّ الذينَ لا ينتمونَ إلى مكانِ التصوير - وهيَ قرية "ذكير" في مُحافظة "السويداء"- كانوا أكثرَ قُرباً منها، وأكثرَ إقناعاً منَ المُنتمي، لاسيَما وأنَّ الأدوارَ كانت مُتباينة بينَ فنّانٍ وآخر، إلاّ أنَّ وقائعَ وأحداثاً تشير إلى رُموزٍ ودلالاتٍ واضحة الرسائل، حملت منَ المعاني المُضمَرة في باطنِ النصّ الدراميّ ما يجعلُنا نشعرُ بقيمةِ العملِ وأهمّيّته، والأداء التمثيليّ الرائع.
وتابعَ "دويعر": "منَ نافلِ القول إنَّ طبيعةَ المُسلسل وشخصيّاتهِ الواقعيّة، وإتقانَها كشخصيّة "فيّاض" راعي العجال، أو الأستاذ "صيّاح"، أو "أبو نايف"، وهُنا (أعني الفنانيّن من خارج المُحافظة) الذينَ أقنعوا الناسَ بدورهِم. وقد تميّزت الحركة الإيقاعيّة من خلالِ المكان والإضاءة والمُعالجة الفنيّة بإسقاطاتٍ واقعيّة على مُجتمعنا العربيّ،حداقي في الخربة من مثقّفينَ يدّعونَ الثقافة، وزعاماتٍ تقليديّة لا علاقةَ لها إلاّ بمصالحها الشخصيّة، وجيلٍ منَ الشبابِ يريدُ الانفتاحَ والاطّلاع وتكسيرَ حاجزِ التقليد من خلالِ البيئة المحليّة نفسِها، لكنَّ الزعامات تقفُ حاجزاً أمامَ التطوّر التقنيّ والفكريّ والثقافيّ، والبقاء في حالةِ المَوروث، إضافةً للمكان الذي يجب أن يتحوّلَ إلى مكانٍ سياحيّ حقيقيّ.
ويُشير إلى أنّهُ ربّما كانَ مُسلسل "الخربة" رسالة غير مُباشرة للسياحة في "سورية" للاعتناءِ بالبُيوت الأثريّة القديمة المُنتشرة في قًرى المحافظة، ولعلّهُ سؤالٌ آخر يُترَك للسياحة في "سورية" بعامّة، وفي "السويداء" بخاصّة، إذ إنّهُ منَ المَعلومِ أنَّ هناكَ بيوتاً قديمة تحوّلت إلى فنادقَ تراثيّة.
وعدَّ الكاتب والمُخرج د. "ممدوح الأطرش" في حديثهِ لمنصّة "فينكس" بتاريخ ١٠/٢/٢٠٢٢ أنَّ مُسلسلَ "الخربة" حالة إسقاطيّة لواقعٍ عربيّ عام، ونزعات فارغة يعيشُها الأفراد ضمنَ حالةِ تغييرٍ انتقاليّة تمرُّ بها الشعوب الآن. ويرى أنَّ "الخربة" وإن كانت قد استعارت جغرافية المكان واللهجة، فهوَ انتقالٌ وإسقاطٌ بضيقِ القرية بلهجتِها ودلالتِها وجغرافيّتها وشُخوصِها إلى واقعٍ عربيّ شموليٍّ عامّ نعيشُه. "أبو نمر"، وعائلة "أبو قعقور"، و"أبو نايف"، وعائلة "أبو مالحة" يُسقطونَ على الحالة الزّعامات العربيّة الفارغة التي تَطليها بالقُشور، وتبعدُها عنِ اللبِّ والعُمق،ممدوح الأطرش واحتياجاتِ الناس والواقع والضّرورات، والإيمان بضرورةِ التغييرِ بالحياة، دونَ الاعترافِ بالأخطاء. ويُشير إلى أنَّ شخصيّتي "جميل" و"ملحم" كانتا تمثّلان التصويبَ لواقعِ المثقّف الثوريّ العربيّ الذي يعدُّ نفسهُ بأنّهُ يملكً فكرَ التغييرِ والتقدُّمِ والمُواكبةِ الحضاريّة، والالتزامَ بالفكرِ السياسيّ لِما يُؤمر به داخليّاً، استناداً إلى أسسٍ نظريّة، تغطّيها الشعارات المَحفوظة عن ظهرِ قلب، دونَ الغوصِ في جوهريّةِ الفكر الثوريّ، وتنازُعات الحالة الآنيّة فيما بينَ النظرية والتطبيق معَ تناقضاتِ الواقع.
مُضيفاً أنَّ باقي الشخوص ما هيَ إلاّ حالاتٌ لشخصيّاتٍ اجتماعيّة مُشوَّهة، ونماذج بشريّة تعيشُ حالاتِها بتنوّعها واختلافِها ضمنَ خطوطِ العملِ الدراميّ، تتخبّطُ وتتلاطم مع ذاتِها من جهة، ومع خياراتِها من جهةٍ أخرى. ويلفت إلى أنَّ غالبيةَ الشخوص في العمل الدراميّ هيَ أنماط معكوسة، أو تنبع من واقعٍ عامّ.
ويتابع: "شخصية "جميل" هيَ شخصيّة ضمنَ هذا الخط المُتصارع معَ شخصيّاتٍ متعدّدة الألوان والأشكال، وطرح الأداء الدراميّ ضمنَ حُدود الشخصيّة المرسومة التي تعبّر عن صدقٍ في الإيمان، والأسُس الفكريّة التي تتبنّاها الشخصيّة، وتناقضُها مع وعيها الثقافيّ. ومن ضمن هذا التناقض ينشأ الصراع الدراميّ داخل شخصية "جميل"، وتنشأ هذه الحالة العصبيّة الدائمة التي افتعلتها. وهيَ شخصيّة غاضبة في أساس الشعور في اللاوعي بالنقص الداخليّ، وتردّدها غالباً في اتخاذِ القراراتِ الحاسمة على الرغمِ منِ انجرافها الفكريّ لمُعاداة الإمبرياليّة العالميّة بجميع صورها.
ربّما من حَسَناتِ المسلسل أنّهُ قدّمَ الشخصيّات الشابّة ذات الطبيعة المُميَّزة في الأداء، مثل "فلوديا" الفنانة "مروى الأطرش" التي لم تتجاوز بعد مُنتصفَ عقدها الثالث، والتي بيّنت لمنصّة "فينكس" بتاريخ ١١/٢/٢٠٢٢ أنّهُ ربّما كانَ السؤال الأكثر شُجوناً أنَّ "الخربة" هو العمل السّابع لها بعدَ (ليل ورجال، وأهل الراية، وأسير الانتقام، وجرن الجاويش)، وغيرها منَ الأعمال المسرحيّة والسينمائيّة، لكنَّ ما قامت بهِ من دور جعلَها تتميّز تميُّزاً لم يكن يُلحَظ في اتّساقِ النصّ، فقد برهنَ الكاتب والمُخرج أنَّها مُنتمية إلى القرية، مروى الأطرشولكنَّها تربّت ضمنَ بيئةٍ دمشقيّة استمدّت منها لهجتَها وبعضَ عاداتِها، وبالتالي شخصيّة "فلوديا" لم تكُن مُغتربة حدّ الاغتراب عن بيئتِها الأمّ، وهيَ مُنتمية لا شعوريّاً إلى البيئة ذاتِها.
مُضيفةً أنّها استطاعت أن تخرجَ بعضَاً من أفرادِ "الخربة" من عاداتهِم كي ينسجموا معها، وهذا دلالة على تمرّدٍ داخليّ إبداعيّ يكمُن داخل تلكَ الشخصيّة، مع حبّها للبيئة، وهيَ لم تصنع الشخصيّة بشكلٍ فنّيّ دراميّ، بل تمرُّدُها على ذاتِها خلقَ توازناً بينَ ما اكتسبتهُ من عاداتٍ شاميّة وبيئة والدِها وأهلِها، وهيَ جريئة إلى درجةِ أنَّها لم تخفِ ما يختلج في ذاتِها من حركة وفعل، واستطاعت التعايُشَ مع تلكَ البيئة بجرأة دونَ الهُروبِ منَ الواقعِ المجهول لديها.
ويُشير الفنّان والمسرحي "مشهور خيزران" إلى أنّهُ ورغمَ تميّزِ العمل بالإضاءة الوضاءة وبمساحةٍ من فضاء الكاميرا، وأريحيّةٍ في التصوير واختيارِ الأماكن كان أمراً مُوفّقاً، مشهور خيزران إلاّ أنَّ وجودَ بعضِ الهنات في العمل منحهُ صفةَ الكمال، وتركَ الانطباعَ أنّكَ في كلّ مرة تشاهدهُ ستكتشف فيهِ جديداً، وهذا يعود للمُخرج وكاتب النصّ الدراميّ اللذين درسا طبيعةَ مُفرداتِ الكلمة واللهجة المحليّة وخصوصيّتها بنجاحٍ مُنقطعِ النظير، حتى استوطنَ في الذاكرة بشكلٍ واضح، وأخذَ الحديثَ في الأوساطِ المُتنوّعة.
إذاً، إضاقة إلى الأثر الجمالي الفني، المُسلسل يترك أسئلةً عديدة في ذمّة النقّاد والجهات المعنيّة، للاهتمامِ بريفنا السوريّ، وتُراثنا العربيّ الزاخر بالحياة الدراميّة.