"لا شارب لدي كي يستخدموا المقصات بل مكتبة".. حدث لممدوح عزام

مناهل السهوي
 
أوجد البشر على مر العصور طرقاً مختلفة لقتل بعضهم بعضاً، حتى بدا القتل واحداً من أكثر الأمور التي أجادوها. لكن كيف يمكن قتل الكاتب؟ سؤال يجيب عليه الروائي السوري ممدوح عزام في كتابه الجديد، حيث يقول: "وقد قتلوني رمزياً حين أحرقوا رواياتي وكتبي".
خسر ممدوح عزام مكتبته التي تضم 7000 كتاب، بينها رواياته ومخطوطاته ودفاتر ملاحظاته التي جمعها طوال عقود من الكتابة. أُحرقت مكتبته مع منزله في قريته تعارة في مدينة السويداء جنوب سوريا، في تموز/ يوليو العام الماضي 2025، بعد اقتحام قوات الأمن العام السوري ووزارة الدفاع السورية، بمشاركة مجموعات من البدو والعشائر، مدينة السويداء.
في كتابه "من الشمال إلى الجنوب – حكايات عن البيت والناس والكتب والجنود" الصادر عن دار ممدوح عدوان ودار سرد، يأخذنا ممدوح في رحلة بين سيرته الشخصية وسيرة مكتبته المحترقة. وسيكون لكلّ شيء مكان صغير في هذه السيرة، حتى المفكات ومقصات الأظافر، فالقاتل لا يعرف أن الكتّاب عنيدون، يصنعون من المأساة حكاية حتى إن كانت مأساة بحجم حرق مكتبة شخصية.
الكاتب هناك
"لا شارب لدي كي يستخدموا المقصات، بل مكتبة"، يقول ممدوح الذي شاهد اقتحام مدينته عبر الشاشة، إذ ولحسن حظه كان وزوجته خارج البلاد.
حمل المهاجمون مقصات لقص شوارب الرجال والشيوخ في السويداء، إذ يرتبط الشارب في تقاليد المدينة بالكرامة والرجولة والأنفة. لكن عزام يعيد تعريف هذا الرمز؛ فبدلاً من الشارب، يضع مكتبته في موضعه. لا تعود المكتبة مجرد رفوف للكتب أو رمز للثقافة والمعرفة، بل تصبح معادلاً للكرامة الشخصية، وأغلى ما يمكن أن يملكه الإنسان ويخشى فقدانه.
ربما لم يكن ممدوح هناك لحظة الاقتحام، لكن الكتاب يقول العكس. ليس خيالاً محضاً، بل منطقة ملتبسة بين الواقع والخيال، حيث يتسرّب كلٌّ منهما إلى الآخر. أليس في الواقع شيء من الخيال، كما في الخيال شيء من الواقع؟
* ما الذي يمكن أن يجمع بين رجل يقضي عقوداً في جمع الكتب ورجل لا يحتاج إلا إلى دقائق لإحراقها؟ ربما لا شيء سوى اللحظة التي يلتقي فيها العالمان داخل بيت واحد
يدخل ممدوح عزام النص بوصفه راوٍ وضحية في آن. لا يكتفي بالسؤال الذي طارد من كانوا خارج المدينة: "ماذا لو كنا هناك؟"، بل يتجاوزه إلى يقينٍ مُقلق: أن يكون هناك أو أن يكتب كمن كان.
تداخل السيرة الذاتية مع التوثيق الشخصي، في تناوب حار ومتوتر ومقلق أحياناً، بين وصف المجزرة وسرد حكاية الأشخاص. القاتل هنا مجهول والضحية لا تفهم لماذا عليها أن تموت أو حتى من هؤلاء الذين قرروا أن تموت.
يتخيّل ممدوح أنه كان هناك يوم الاقتحام، ويبني كتابه على أسئلة الضحية: هل هم حقاً؟ ماذا يمكن أن تقول الضحية؟ وما الإجابة الأقل خطراً حين يسألك القاتل عن مهنتك؟
يتكرر القتل عبر استعادة تاريخ الكتب، ظروف اقتنائها، سنواتها، أسمائها، ودور نشرها، ومع التقدم في القراءة، تصبح الأسئلة أكثر قسوة. لا يعود الكتاب عن المجزرة وحدها، بل عن هشاشة الفن والأدب أمام العنف والموت. يكتب ممدوح: "ماذا تفعل إذا اقتحم بيتك جنود غاضبون، بلا رادع، وطلبوا منك أن تعزف على الكمان؟".
لكن السؤال الأكثر مرارة يبقى عن الهوة السحيقة بين القاتل والكتاب، بين من يكتب ومن يقتحم. يتساءل ممدوح: "هل يعرفون أن هذا البيت لروائي سوري؟ هل بينهم من قرأ رواية؟ يجب أن يكون الجواب: لا". هنا لا يبدو السؤال استعلاءً على القتلة، بقدر ما يكشف استحالة اللقاء بين عالمين؛ عالم يبني نفسه بالكلمات، وآخر لا يرى في الكتب سوى شيء يمكن إحراقه.
المكان لغة الكتاب
قرية الكاتب (تعارة) ليست مجرد مكان للحدث الدموي، بل مساحة للطفولة والذكريات والحب، والتجارب الأولى والأمان والتصديق. يستعيد ممدوح عزام السويداء بوصفها مدينة تعاقبت عليها أشكال مختلفة من العنف، من العثمانيين إلى الفرنسيين، مروراً بنظام الأسد، وصولاً إلى المجزرة قبل عام. وبين هذه الطبقات المتراكمة، يجد القارئ نفسه غارقًا في موت يمتد عبر الزمن، لا في حادثة واحدة.
يستذكر ممدوح حكايات والده الذي فرض عليه عمله التنقل بين مناطق سورية كثيرة، فعاد منها محملاً بالقصص. انتقلت تلك الحكايات إلى الابن، ثم تحولت لاحقاً إلى روايات.
لم ينقل الأب الحكايات من شمال إلى جنوب سوريا وحسب، بل أحضر أيضاً شجرة زيتون قبل سنوات من عفرين. هذه الشجرة ستكون بطلة في الكتاب وسيطلق الجنود النار عليها.
لكن حتى المخطوطات والقصص التي كانت تنتظر أن تصبح كتباً قد احترقت. وكما يقول ممدوح، لا يستطيع الكاتب أن يستعيد الحكاية نفسها مرتين. لكنه، على ما يبدو، يستطيع أن يستعيد شعوره تجاهها، انتظاره الطويل لها وهي تتشكل، وحرقة قلبه وهي تغادر تحت وطأة نار الجهل السوري.
*مناهل السهوي
شاعرة وكاتبة سورية، صدر لها مجمووعة شعرية بعنوان (ثلاثون دقيقة في حافلة مفخخة) حاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي عن مسرحيتها (بطارية لمصباح اليد) تكتب في عدد من المواقع الإلكترونية في مجال الصحافة الثقافية
* اعتاد السوريون رؤية البيوت تُنهب و"تُعفَّش"، لكن ماذا يعني أن يتوقّف أحدهم هذه المرة ليحرق الكتب أيضاً؟
لا تبدو قرية تعارة معزولة، بل هي ككل القرى التي احترقت في السويداء. الحرائق هي نفسها، والخوف هو نفسه، والنية واحدة: محو المكان، ثم "تعفيشه"؛ تلك الكلمة التي ظن السوريون أنها اندثرت مع سقوط الأسد. وكما في كلّ مرة، لا يسرق القتلة الكتب. لكن ممدوح، الذي تابع مصائر المكتبات السورية طوال سنوات الحرب، يتوقف عند سؤال مختلف: لماذا كانت الكتب في معظم المرات تُرمى وتُداس، بينما أُحرقت مكتبته بالكامل؟ في هذا السؤال رجاءٌ خائب، رجاءٌ بأن يكون قد بقي منها شيء، حتى لو كان تحت أقدام القتلة، لا أن تتحول كلها إلى رماد.
ينبش الكتاب عميقاً في ذاكرة السويداء: نبات الدردار والهندباء والمشّة، والطحالب الخضراء التي تكسو الصخور، ومساكب النعناع والبصل، وطريقة إلقاء التحية هناك. إنه كتاب غارق في المكان، يكتب من داخله، لا عنه، كأن المدينة هي لغته وليست موضوعه وحسب. "لا أحد يزرع عنباً بينما يفكر بالرحيل، لا أحد يزرع زيتوناً إلا ذلك الذي يعتقد أو يؤمن أنه باق كي يعمر"، يقول ممدوح.
عن الحريق داخل الكاتب
لم يخسر الروائي مكتبته ومنزله وذكرياته وحسب، إنما خسر ممدوح الذي صنع كلّ ذلك. إنه كتاب يشعرنا بحزن عميق وأكثر من ذلك، يجعلنا نشعر، للحظة، بما تشعر به الكتب وهي تحترق. وككاتبٍ، سنفهم تماماً معنى أن يذهب مكان الكتابة إلى الأبد: الطاولة، الكراسي، الأقلام، الفناجين، دفاتر الملاحظات، ووحدات التخزين التي كانت ستتحول إلى كتب ذات يوم.
يكتب ممدوح عن كتب وأفكار عمرها، على الأقل، أضعاف أعمار القتلة. المكتبة لم تكن كتباً فقط، بل أشرطة كاسيت رُويت عليها إحدى الحكايات، وصوراً فوتوغرافية تعود إلى خمسين عاماً، ولوحات رسمها الابن والأصدقاء.
هذا الكتاب توثيق يرفض أن تُختصر المأساة بعبارة من نوع: "في كل الثورات يسقط ضحايا". إنه رفض لفكرة الأخطاء الجانبية التي ترافق سقوط الأنظمة وصعود أخرى، ورفض لأن يتحول احتراق المكتبة إلى تفصيل عابر. فيكتب ممدوح: "حين تنتصر الثورة لا يمكن أن تخشى على الكتب، حريق مكتبتي يشير بقوة إلى أن ثورة السوريين لم تنتصر".
وربما لم يستطع ممدوح إنقاذ مكتبته، لكن هذا الكتاب يبدو محاولة لبناء مكتبة أخرى، مكتبة لا يمكن إحراقها، إنه إثبات على أن الكاتب كائن عنيد يعيد صناعة الحكاية حتى عندما تحترق.
رصيف22