غادة السمان نجمة دمشقية في محراب الأدب

أمينة عباس- فينكس

جال الباحث مازن ستوت في محاضرته التي ألقاها مؤخراً في المنتدى الاجتماعي بدمشق في مسيرة الأديبة السورية غادة السمان التي أثرت المكتبة العربية بكتب غنية تنوعت بين الروايات والقصص وكتب أدب الرحلات والمقالات والرسائل، متوقفاً بشيء من التفصيل عند سيرتها الغنية التي تكشفت أننا أمام شخصية استثنائية منذ صغرها: "اهتمت مبكراً بالعلم والتحصيل، وظهرت موهبتها الأدبية في المرحلة الثانوية حيث نشرت أولى قصصها في مجلة المدرسة، ثم خالفت رغبة والدها في دراسة الطب فالتحقت بكلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية وتخرجت فيه عام 1963 بتفوق، وكانت أثناء دراستها تعمل وتمارس نشاطها الصحفي في الصحافة المكتوبة والإذاعة حيث عملت في الإعداد والتقديم، وهو الذي أهلها فيما بعد للعمل في محطات عربية مثل إذاعة الكويت ومراسلة لعدة صحف ومجلات عربية". مشيراً ستوت إلى أن السمان بعد تخرجها توجهت إلى بيروت لتبدأ دراساتها العليا في الجامعة الأميركية، وكانت أطروحتها عن مسرح اللامعقول، لتغادر بعد ذلك إلى لندن للبدء بالتحضير للدكتوراه، إلا أن أسباباً عديدة حالت دون أن تكمل دراستها بالتزامن مع عملها في الصحافة اللبنانية آنذاك.

علاقتها مع والدها

ولأن غادة السمان ارتبطت بوالدها ارتباطاً روحياً وفكرياً عميقاً، وهو الذي شكل هويتها الثقافية، خصص ستوت قسماً من محاضرته للحديث عن والدها د. أحمد السمان، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية والسياسية من جامعة السوربون في باريس، وكان له باع طويل في النضال ضد المحتل الفرنسي لسورية، وكان عميداً لكلية الحقوق في دمشق عام 1954 ورئيساً لجامعة دمشق 1956 ووزيراً للتربية 1961، وله العديد من المؤلفات الحقوقية والسياسية، وهو الذي تولى تربيتها بعد وفاة والدتها الأديبة والشاعرة، وكان له الأثر الكبير على مسيرتها في الحياة. وحين توفي عام 1969 كتبت: "مات أبي ومات معه الرجل الذي كان يغفر لي أخطائي قبل أن أرتكبها، والذي كان يرى في تمردي أصالة وفي جنوني عبقرية، رحل الشخص الذي كان يحميني من نفسي والآخرين... منذ رحلت يا أبي وأنا أعيش في عراء غريب، كنت السقف الذي يحميني من أخطار الزمان والجدار الذي استند إليه حين تتكالب علي الرياح، علمتني كيف أكون حرة... كان أبي يقول لي اقرئي لتعيشي أكثر من حياة واحدة"، مشيراً ستوت إلى أن السمان وثقت هذه العلاقة في مؤلفات وثائقية ووجدانية ورثائيات في غاية الأهمية والعمق، كما وثقت رسائله وتوجيهاته الفكرية والتربوية في كتب سيرتها الذاتية، ولا سيما في روايتها الرواية المستحيلة "فسيفساء دمشقية" حين ظهر الأب فيها كمرجعية ثقافية كبرى شكلت وعيها.

الأديبة والشاعرة

تطرق ستوت كذلك في محاضرته إلى أبرز أعمال غادة السمان الأدبية متناولاً مضامينها كرواية بيروت 75، وعيناك قدري، وتسكنين في عيني، والمرافئ القديمة، وليلة الغرباء، وكوابيس بيروت، وليلة المليار، والرواية المستحيلة. كما تناول أعمالها الشعرية: "أصدرت 10 دواوين شعرية تنتمي لمدرسة النثر والشعر الحر، وتمكنت من خلالها من خرق الجدار التقليدي بين النثر والشعر، ومن هذه الدواوين نذكر: أعلنت عليك الحب، أشهد، عكس الريح، عاشقة في محبرة، والحب الافتراضي، عاشقة الحرية، وغيرهم". كما نوه بكتب الرسائل التي أصدرتها وتضم رسائل غسان كنفاني، ورسائل الحنين إلى الياسمين وهي المرتبطة بدمشق وذكرياتها، ورسائل أنسي الحاج لها.. وحول أسلوبها الإبداعي، يرى ستوت أنه اتسم بالسلاسة، خاصة في معالجة تفاصيل الحياة اليومية والذكريات، وقدرتها على تحويلها إلى سرد روائي شفاف يفيض بالشعرية، فضلاً عن تجديدها في اللغة والسرد وجرأتها الطاغية، في حين التزمت في كتاباتها الصحفية بالقضايا الإنسانية وشكلت مقالاتها وأعمدتها الأسبوعية ظاهرة ثقافية بالوقت الذي لم تكن فيه بعيدة عن القضايا الكبرى، ويحسب لها أنها أعادت الاعتبار للمقالة الصحفية والعلاقة الحميمة مع القراء".

مقولات غادة السمان

واختتم ستوت محاضرته ببعض مقولات غادة السمان التي تعكس حنينها العميق إلى دمشق، ومنها: "وإني في الوطن كنت أبكي شوقاً للرحيل إلى المنفى، وها أنا اليوم أبكي لأني حققت أحلامي"، و"ما أقسى الغربة على من لا يملك زهرة ياسمينة أو ذكرى ياسمينة".

وفي وصفها لدمشق تقول: "دمشق مدينة غبارها النجوم، وأنشودتها نغمة التحدي للفاتحين على مر الدهور، مدينة تكسرت محاولات الزمن لإذلالها... دمشق مدينة أحزاني ومدينة القبلة الأولى، دمشق التي يتعذر على عشاقها مثلي حصرها في صناديق الذاكرة، وستظل إلى الأبد تهيم في قاع روحي".

وأكد الحضور في نهاية المحاضرة التي مهدت لها الإعلامية فاتن دعبول بالتعريف بالمحاضر وإدارة النقاش على أهمية مثل هذه المحاضرات التي نستعيد من خلالها مسيرة شخصيات أدبية أثرت في حياتنا الثقافية وأغنت المكتبة العربية بإبداعها.