من الضروري أن نتحدث عن الكتاب ومواقفهم قبل السقوط: اتحاد الكتاب العرب والنظام البائد

عماد نداف

في أواخر تسعينيات القرن الماضي اجتمع وزير الخارجية السورية وقتها فاروق الشرع مع إيهود باراك رئيس الحكومة الاسرائيلية وتواردت الأنباء عن أجواء ودية وعن مصافحة الشرع لباراك..
عندما عاد الشرع، طلب اتحاد الكتاب العرب حوارا حول الاجتماعات، ولبى الشرع الدعوة، وتلقى سؤالا من الكاتب أحمد يوسف داود عن نوع هذه الودية التي دار الحديث عنها، وعن المصافحة مع باراك، وطمأن الشرع الكتاب بأنه لم يصافح باراك، ولن يصافحه، وأوحى للجميع بأن سورية لن تعقد سلاما مع إسرائيل، فصفق الكتاب طويلاً لكلامه!
كان اتحاد الكتاب يعقد مؤتمراته بوجود ممثل عن القيادة القطرية للبعث، أو القيادة المركزية بعد إلغاء القطرية، وتناوب على ذلك كل من أحمد درغام وهيثم سطايحي ومهدي دخل الله..
قام الكتاب بمواجهة هؤلاء بصوت مرتفع أكثر من مرة، سواء أولئك الذين انضموا إلى الثورة وسافروا خارج البلاد فيما بعد، أو الذين ظلوا داخل البلاد، ولكنهم لم يصمتوا على الأخطاء إلى الدرجة التي نهض فيها أحد الكتاب محتجاً على هيثم سطايحي لاستخدامه عبارة سيد الوطن عن بشار الأسد، وقال لسطايحي أن الوطن هو السيد (قد لاتصدقون هذا!).
قبل سقوط النظام بنحو سنة، حضر الدكتور مهدي دخل الله المؤتمر السنوي لاتحاد الكتاب العرب، وألقى كلمة افتتاحية، تحدث فيها عن أهمية الجيش والاقتصاد والثقافة في رد الهجمة على سورية على حد نعبيره، وعندما انتهى كان على المؤتمر أن يباشر أعماله تلقائيا ومن دون حوار، لكني رفعتُ صوتي أريد التعقيب على الكلمة، وهذا لم يحصل من قبل، ومع ذلك أعطيت فرصة الكلام، فسألت الدكتور دخل الله أنه إذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا تخربون الإقتصاد والجيش والثقافة والبنى الاجتماعية؟ فرد عليَ بسؤال أنك تتهمنا بذلك، وكان جوابي أن نعم، وعلت الضجة في قاعة المؤتمر في المكتبة الوطنية، وصاح الأعضاء: عماد نداف يمثلنا!
وفي ندوة أخرى أعلن دخل الله في ندوة مع نبيل صالح أن من منجزات البعث إلغاء الطبقات، فصار الشعب طبقة واحدة، فنهضتُ وقلت له: هذا كلام غير دقيق، على العكس تم توليد طبقات جديدة مثل البيروقراطية والكمبرادور..
لم يكن يحصل مثل هذا الحوار، في أي نقابة سورية، ولم نسمع عن أي مواجهة من هذا النوع، فالكتاب كانوا واضحين في طرح مواقفهم، وهناك نقطة هامة ينبغي الإقرار بها وهي أن مواجهة آلة القمع في سورية لم تكن عملية سهلة بعد أن شهد الجميع أن هذه الآلة قتلت مليون إنسان وشردت نحو عشرة ملايين سوري..
كانت السلطات تعي تماما أن اتحاد الكتاب لازال يحمل نبضا من الوطنية والديمقراطية، لذلك أوصلت الدكتور نضال الصالح إلى قيادة الاتحاد (2015ــ 2019)، وأسندت إليه رئاسة الاتحاد رغم أنه حاز على أقل الأصوات، فتسلط على الجميع، إلى الدرجة التي اتفقت أكثرية الأعضاء على رفضه، ووقف الكاتب حسام خضور على المنصة يطالب بإنزاله عن رئاسة المؤتمر، ثم أقيل بعدها وتوقف الاستئناس الحزبي وانتصر الكتاب..
إن هذه المواجهة النقابية تدل على رفض الكتاب لسياسة النظام وآليات عمل البعث معهم، وإن كان بأضعف الايمان، ومع ذلك استكان الكتاب لشعار المقاومة، وظنوه واقعياُ، ولم يكن من السهل التشكيك فيها، لذلك دفعت القيادة القطرية بالمحللين السياسيين الموالين لها أو للأجهزة للانتساب لنيل العضوية، كي يأخذوا الصدارة فيما بعد ويزيحوا الأصوات الأخرى..
لايجوز أبدا الاستهانة باتحاد الكتاب كنقابة قوية تجمع نخب البلد، ولايجوز معاملتها كأحد الآلات القمعية للنظام، ومحاسبة الأعضاء على ذلك. إن الانتساب للنقابات والبرلمانات عشية الثورات مسألة معروفة وشرعية في العالم وأهم إيجابياتها أنها تفضح الممارسات على منابره.
أما اليوم، فنحن الكتاب الذين نعتز بتاريخنا، نشعر بأهمية إسقاط النظام البائد، ونبني طموحا كبيرا على العدالة الانتقالية، وأيضاً نشعر بالفخر بانضمام مبدعين وكتاب عاشوا مع الثورة، أو كتبوا عنها، أو غادروا البلاد تحت وطأة القمع..
إن هذا الفخر ينبغي أن نحصنه بالحوار الناضج داخل الاتحاد، لا بإغلاق أبوابه وحل هيئاته، وتطفيش أعضائه، ويفترض أن يعمل الحوار من أجل المستقبل وبناء الدولة القوية بعد إسقاط النظام البائد!
 
بوابة الشرق الأوسط الجديدة