في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
أمينة عباس- فينكس
ليست هناك معلومات كافية ودقيقة عن طبيعة العلاقة التي كانت تربط محمود درويش بغسان كنفاني قبل رحيله، ولم يرد أي ذكر لعلاقة صداقة تربطهم، وإنما لعلاقة نموذجية ثقافية ربطت بين أديبين فلسطينيين كبيرين تسامت فوق التناقضات التي جمعتهما، فالأول كان عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والثاني كان عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وقد جمعتهما تجارب السجن والاعتقال والإبداع، لذلك كان كنفاني معجبا بدرويش حيث كان يرى في شعراء الداخل، وعلى رأسهم محمود درويش، صوتا أساسيا في هذه المعركة الثقافية، على الرغم من اختلاف انتماءاتهما السياسية والفكرية.
رسائل كنفاني إلى درويش
عندما كان كنفاني بصفته كاتبا من الشتات، يسعى لتوثيق ونشر أدب المقاومة الذي كان ينبثق من داخل فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين، وهو الذي كان يقدم دائما إنتاج جيل الأدباء في الداخل للعالم العربي، حرص كنفاني عندما شرع في إنجاز مشروعه في تقديم شعراء الأرض المحتلة إلى العالم العربي والغربي أن يراسل درويش عبر مجموعة من الرسائل التي تم الكشف عنها في كتاب ميلاد الكلمات للكاتبة الباحثة الفلسطينية امتياز دياب، والتي كانت تتم بواسطة صديقهما المشترك عبد المجيد مصطفى المقيم في كندا، حيث نشرت الباحثة في الكتاب خمسة رسائل من غسان إلى محمود، من بينها رسالة موجهة من غسان إلى محمود مباشرة في الخامس عشر من ديسمبر عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين، يطلب فيها مزيدا من شعره الذي لم ينشر، مع عدد من صوره ورؤوس أقلام كافية عن حياته، حيث يخاطب درويش فيها: لا شك تعلم فقد أضحيت أنت شاعرا شهيرا للغاية، لقد ترجمت قصائدك للفرنسية، والآن أنا في سبيل أن أطبع ديوانا ضخما لك ولتوفيق زياد ولسميح القاسم، فيه أجزاء فرنسية وإنكليزية ولوحات لأفضل فنانينا، ودراسات نقدية مطولة عنكم، وأحتاج في سبيل ذلك إلى مزيد من الشعر الذي لم ينشر، وكذلك إلى نبذة عن حياتكم وقصائدكم التي لم تنشر وصوركم. وبهذا تكشف هذه الرسائل الدور الكبير الذي لعبه غسان كنفاني في تقديم شعراء وكتاب الأرض المحتلة عام ثمانية وأربعين إلى الأوساط الثقافية العربية، وإلى المجتمع الثقافي العالمي من خلال نشر وترجمة أعمالهم الشعرية والنثرية باللغتين الفرنسية والإنجليزية، والتي كانت حصيلتها إصدار دراستيه عن أدباء الأرض المحتلة: أدب المقاومة في فلسطين المحتلة " 1948-1966"، والأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال " 1948-1968" وعن هذه الجهود يقول درويش: كنا مجموعة من شباب دون الثلاثين، نفتقر إلى أدنى مقدمات الرد العملي على الهزائم التي يعاصرها وعينا وعارنا، وكنا نحاول كتابة الشعر دون أن نعي أنه شعر، كنا نصرخ ونتوجع ونحتج، فلم نملك أداة تعبير أخرى، وكان لقب شاعر طموحا قاسيا يعذب، وبقينا مجهولين إلى أن قام غسان كنفاني بعمليته الفدائية الشهيرة: الإعلان عن وجود شعر في الأرض المحتلة، فانقلبت العلاقة داخل الأرض المحتلة وخارجها. نحن الذين كنا نكتب ما سماه غسان شعر المقاومة، لم نكن نعرف أننا نكتب شعر مقاومة، إن ما فعله غسان هو كسر الحصار المضروب حول أوضاع العرب في الأرض المحتلة، وإضاءة كل موضع صمود يمارسه أبناء الشعب الفلسطيني هناك، وكان الشعر، ولا يزال، أحد وسائل التعبير عن هذه المواقع وعن هذا الصمود. لقد دل غسان كنفاني الرأي العام العربي على أدب الأرض المحتلة، لم تكن لفظة مقاومة رائجة في الشعر هناك قبل أن يطلقها غسان عليه، وهكذا أيضا دل المسمى على اسمه.
ولادة الفلسطيني الجديد
بعد اغتيال غسان كنفاني في بيروت كان محمود درويش قد كتب عنه قائلا: "لدى قراءة كنفاني اليوم نكتشف، أولا ودائما، أنه في عمق وعيه كان يدرك أن الثقافة أصل من عدة أصول للسياسة، وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي. لعل المسعى الأهم لبحوث كنفاني الأدبية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد، لجهة التأني عن الإنسان المجرد والفلسطيني المجرد، والاقتراب من الإنسان الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته ويدرك أحوال العالم العربي ويعرف أكثر ماهية الصهيوني الذي يواجهه. وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها إلا ثقافة في مفهومها النقدي، المتجاوز لما هو سائد، الذي يقطع مع القيم البالية".
أرثي نفسي
وحينما استشهد غسان عام 1972 قال محمود درويش: "كم من صديق رثيت، ولكن لم أحس بأنني أرثي نفسي، فأعيد صياغة حياتي، إلا عندما حاولت الإمساك بطرف هذا البركان: غسان كنفاني. صديقي غسان، كم من صديق ودعت، ولكن لم أودع مرحلة من حياتي إلا في وداعك الأخير، كان آخر ما أنتظر من كوابيس هو أن أقدم لإعلانك السابق عن وجودي منذ عشر سنين، لقد ولدت قبل ذلك، ولكنك أنت الذي أعلن ميلادي، لم أقل لك شكرا، فقد كنت أحسب العمر أطول".
ويضيف درويش قائلا في رثاء كنفاني: "كم يشبهك الوطن، وكم تشبه الوطن، والموت دائما رفيق الجمال. جميل أنت في الموت يا غسان، بلغ جمالك الذروة حين يئس الموت منك وانتحر، لقد انتحر الموت فيك، انفجر الموت فيك لأنك تحمله منذ أكثر من عشرين سنة ولا تسمح له بالولادة، اكتمل الآن بك، واكتملت به، ونحن حملناكم، أنت والوطن والموت، حملناكم في كيس ووضعناكم في جنازة رديئة الأناشيد، ولم نعرف من نرثي منكم، فالكل قابل للرثاء، وكنا قد أسلمنا أنفسنا للموت الطبيعي".
النموذج الأبرز
وكان غسان كنفاني قد ركّز في كتبه ودراساته النقدية مثل كتاب "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة" على دواوين محمود درويش الأولى، وتحديداً ديواني "أوراق الزيتون" (1964) و"عاشق من فلسطين" (1966)، وعلى قصيدة "بطاقة هوية" (سجل أنا عربي) حيث اعتبرها النموذج الأبرز الذي يتوقف عنده، وكذلك قصيدة "عاشق من فلسطين" وقصيدة "عن الصمود"، مشيراً في دراسته لها إلى نبرة التفاؤل والتمسك بالأرض، ومفسراً في قصائد الحنين لدرويش مثل "إلى أمي" الفلسفة والوجدان العميق في شعر بواكير درويش.