"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون

سمير جبارة

"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون..
يتألّف الكتابُ من 224 صفحةً، وهو من أهمّ الكتب التي شرحَتْ طبيعةَ الجماهيرِ، وحدّدتْ أسبابَ انفعالها وتحرُّكها..
كتابٌ خطيرٌ جدّاً يُعَدُّ مؤلّفُهُ لوبون الوريثَ الشّرعيَّ لفلسفةِ الكاتب الإيطاليّ مكيافيلي، ويمكنني أن أقولَ: إنَّ كتابَهُ هذا هو الجزءُ الثّاني لكتاب الأمير، بل فاقَه في خطورتهِ، ومدى فهمهِ لطبيعةِ الجماهير..
ينظرُ لوبون إلى الجماهيرِ نظرةً دونيّةً مليئةً بالاستعلاءِ، فيقول:
إنّ للجماهيرِ قوةً غيرَ واعيةٍ وتدميريّةً ومليئةً بالفوضى، فالجماهيرُ كالجراثيمِ تساعدُ على انحلالِ الأجسامِ الضّعيفةِ..
ويرى لوبون أنَّ ذكاءَ الفردِ أعلى من ذكاءِ الجماهيرِ، فلا يملكُ المجتمعُ ذكاءً أكثرَ من فولتير، بل فولتير يمتلكُ ذكاءً أكثرَ من المجتمع..
يؤكّد لوبون على أنَّ الفردَ المنضوي في الجمهورِ يشعرُ بالقوّةِ لانعدامِ الشّعورِ بالمسؤوليّةِ، فالمسؤوليّةُ جماعيّةٌ، وليست فرديّة..
وظاهرةُ العدوى واضحةٌ أيضاً لدى الجمهورِ، فكلُّ العواطفِ مُعديةٌ، فهو كالمنوَّمِ مغناطيسيّاً، فلا يعودُ واعياً بأعماله، فتتلاشى شخصيّتُه الواعيةُ، وتهيمن الشّخصيّةُ غيرُ الواعية، وهذا ما نراهُ في المظاهراتِ، وفي مباريات كرةِ القدمِ، فالجمهورُ سيقومُ بأعمالٍ لن يقومَ بها لو كان فيها كلُّ فردٍ وحده..
ينبّهُ لوبون إلى أنَّ الجمهورَ أدنى مرتبةً من الفردِ من النّاحيةِ العقليّة والفكريّة، فيتغلّبُ عندَ الجماهيرِ الجانبُ البدائيُّ على الجانبِ العقلانيّ الإبداعيّ، وهذا مايجعلُ معظمَ أفعالِ الجماهيرِ متوحّشةً وعدوانيّة..
يبيّنُ لوبون العواملَ التي تحدّدُ آراءَ الجماهيرِ وعقائدَهم، وهي:
الدين والعِرق والعادات والزّمن والمؤسّسات السّياسيّة والتّعليم..
والتّعليم برأيه يرفعُ سقفَ الطّموحِ، فالخرّيجون يرفضون العملَ في المعاملِ والورشِ، ويرغبون بالوظائفِ وإذا تأخّرت الوظائفُ سيصبحون ناقمين و متمرّدين على الدّولة،فالمدرسة تُخرّجُ اليومَ النّاقمين والمتمرّدين..
عاطفةُ الجمهور جمعيّة، وهذا ما يفسّر استعانةَ بعضِ برامج التّلفازِ بأشخاصٍ مهمّتهم الضّحك بصوت عالٍ، كي يؤثّروا على الجمهور ويجعلوه يضحك..
وأخيراً فإنّ الجماهيرَ تخضعُ للقائدِ الذي يمتلكُ الهيبةَ، والهيبةُ عنصرٌ أساسيٌّ في التّأثير عليها، والجماهيرُ حتّى لو كانت علمانيّةً، فهي تعبدُ القادةَ وتخضعُ لهم..