“مدافع آية الله”

فراس حمدون
قبل ترسخ أركان الثورة الإيرانية، كلّف الرئيس أنور السادات المفكر الكبير محمد حسنين هيكل بزيارة إيران لاستقراء المشهد عن قرب.
لم يكتفِ هيكل بالتقارير الدبلوماسية، بل سعى لقراءة الثورة من داخل بيئتها، محاولاً فهم طبيعة النظام المتشكل بقيادة روح الله الخميني، واستشراف تأثيراته على العالم العربي.
ومن هذه المتابعة الميدانية المباشرة خرجت واحدة من أشهر قراءاته النقدية في كتابه “مدافع آية الله”.
«الخميني رصاصة انطلقت من زمن الفتنة واستقرت في القرن العشرين!»
«أسمع دوي مدافعك.. ولكني لا أرى مشاتك!»
بهذه الكلمات الصادمة والعبارات البليغة، لخص محمد حسنين هيكل رؤيته العميقة للنظام الإيراني في كتابه “مدافع آية الله”.
-وصف هيكل البنية للنظام :
1- تطييف الصراع (من الجغرافيا إلى المذهب):
رأى هيكل أن غياب مشروع عربي موحد وقوي أتاح للثورة الإيرانية أن تملأ الفراغ الإقليمي بطريقتها الخاصة.
وقد أسهم ذلك، في نظره، في تحويل الخلاف السياسي الطبيعي بين ضفتي الخليج إلى صراع سني–شيعي بغيض وغير عقلاني،
الأمر الذي دمّر أي فرصة لحوار عربي–إيراني موضوعي قائم على المصالح المشتركة.
2- الجعجعة وغياب الدولة:
انتقد هيكل ما سماه «مدافع آية الله»، موضحاً أن الثورة أطلقت أصواتاً عالية وشعارات مدوية،
لكنه لم يرَ في المقابل تقدماً مؤسسياً يوازي هذا الضجيج، ولا طبقة من التكنوقراط القادرين على معالجة الأزمات وبناء الدولة الحديثة.
3- تصدير الثورة وبناء الميليشيات:
انتقد هيكل تغليب مفهوم «الثورة» على مفهوم «الدولة» في السياسة الخارجية الإيرانية. واعتبر (لاحقاً في مقابلاته وكتاباته) أن الاعتماد على الميليشيات والوكلاء داخل العواصم العربية يقوض أسس العلاقات الرسمية بين الدول،
ويدفع المحيط العربي إلى التعامل مع إيران من منطلق الخوف والريبة بدلاً من التعاون والشراكة.
- مستقبل إيران بين النفوذ والانفجار الداخلي
رغم انتقاداته، لم ينكر هيكل الوزن التاريخي والجيوسياسي لإيران، بل حاول رسم صورة لمستقبلها استناداً إلى مجموعة من المحددات الأساسية:
.الصدام الإقليمي الحتمي:
توقع هيكل مبكراً أن الطبيعة الأيديولوجية للثورة الإيرانية، ورغبتها في «تصدير الثورة»، ستقود إلى صدام مع الأنظمة العربية المحيطة بها،
ولا سيما العراق ودول الخليج، وهو ما تجسد سريعاً في اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.
عداء طهران لأمريكا واستراتيجيتها الثورية ستدخلها في حروب المنطقة، حيث توقع وقوع صدام حتمي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
. التحول إلى قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها:
في سنواته اللاحقة، تمسك هيكل بقاعدة أن الجغرافيا والتاريخ يفرضان إيران كلاعب رئيسي لا يمكن إقصاؤه أو إسقاطه بضربة عسكرية عابرة،
ورأى أنها بحكم موقعها الجغرافي، وثقلها السكاني، وإرثها الحضاري، ستفرض نفسها لاعباً رئيسياً في معادلات المنطقة.
كما توقع أن تضطر القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى التفاوض معها والاعتراف بدورها الإقليمي، وهو ما رأى أن بعض ملامحه ظهر مع الاتفاق النووي عام 2015.
التغيير من الداخل لا من الخارج:
كان هيكل مقتنعاً بأن أي تحول جوهري في النظام الإيراني لن يأتي عبر غزو خارجي، بل من داخل المجتمع الإيراني نفسه.
فقد رأى أن اتساع الفجوة بين جيل رجال الدين الذين يحكمون بمنطق الثورة، وبين جيل شاب متعلم وطموح يتطلع إلى الانفتاح والاندماج مع العالم،
سيؤدي في النهاية إلى ضغوط داخلية وتصادم داخلي حتمي يفرض التغيير والانفتاح.
- معضلة الجار الأزلي والرد العربي
كان محمد حسنين هيكل يرى إيران من منظور "الواقعية السياسية"؛ فهي في نظره جغرافيا ثابتة، وجار أزلي، وقوة إقليمية حتمية لا يمكن للعرب إلغاؤها أو تجاهلها.
لكن مأساة هذا الجار تكمن في عجز نظامه الحاكم عن النضوج؛ فبدلاً من أن يتحول إلى "دولة عاقلة" تبني مصالحها مع العمق العربي برؤية اقتصادية وسياسية عصرية،
اختار أن يظل "ثورة أيديولوجية عقائدية" تستدعي أحقاد التاريخ، وتصدر المليشيات، مما جعل مستقبلها محاصراً بالأزمات الاستراتيجية من الخارج، والتصدع الحتمي من الداخل وستبقى تحمل الشر للمنطقة.
- الرد العربي:
تتلخص إحدى أهم نقاط محمد حسنين هيكل في "الرد العربي" والحل الأمثل للتعامل مع هذا النفوذ الإيراني في ملء الفراغ بمشروع عربي موحد؛
حيث رأى أن التمدد الإيراني ليس قوة ذاتية مطلقة، بل هو نتيجة مباشرة لـ "الفراغ العربي".
والحل يبدأ باستعادة الدول العربية لثقلها وبناء مشروع قومي مشترك (تقوده عواصم الثقل التاريخي) ينهي هذا الفراغ وينحسر أمامه النفوذ الإيراني تلقائياً.
تساؤلات ختامية:
١- هل يتعظ العرب مما جرى ويعملون على مشروع عربي موحد وملء الفراغ والجلوس مع إيران ند للند؟
٢- بعد فشل التوصل لحل الحرب الأخيرة، هل سيأتي التغيير من الداخل فعلاً كما توقع هيكل؟