عندما بكى طيب تيزيني!

اسماعيل مروة

(في زمن يكثرفيه الكره وتتنامى الضغينة، وتمارس البطولات، ويكثر الانتقاص، ويدعي كثيرون ما ليس لهم، أهرب من الزيف إلى دوحة أساتذتي، لعلي أسكن جوف النقاء من خلالهم وأطهر ذاتي).
أقف على نافذة عريضة أمام القاعة السابعة بانتظار أستاذ مادة التاريخ العباسي الدكتور سهيل زكار، لايأتي الدكتور، وفي الأسبوع التالي حضر الدكتور طيب تيزيني ليدرسنا مادة التاريخ العباسي بديلا عن الدكتور زكار ولاندري السبب، وليس من حقنا أن نخمن أو أن نختلق حكايات لم تكن، ود. طيب أستاذ له صولاته في الفلسفة فماذا عن التاريخ؟
بدأ يعلمنا بطريقته فلسفة التاريخ والجدلية وغير ذلك مما لم يرق لنا، وكانت النتيجة بإخراجنا من المحاضرة محمد شفيق البيطار وأنا، وبقينا نحضر فيما بعد على غير قناعة، لأننا لابد أن نتجاوز المادة، وكان أن وضعنا القناعات جانبا ودرسنا وتجاوزنا المادة بعلامات عليا تشهد بنزاهة تصحيح د. طيب..
التقيت د. طيب مرات عديدة في الطريق، وفي حمص، وفي دار دمشق، وكلها لقاءات عابرة وودودة.. حتى بدأ الحراك الثوري والأحداث ولكل أن يطلق ما يشاء، كنت في صحيفة (الوطن) حين حادثني أصدقاء من دمشق وحمص يخبرونني بأن د. طيب اعتقل في مظاهرة دمشق، ولابد من فعل شيء، أسقط في يدي فأنا لا علاقة لي بأحد، ولكنني استنجدت بالأستاذ وضاح عبد ربه رئيس التحرير الذي لايعرف الدكتور طيب، وبقي مدة من الزمن يتحدث بالهاتف، ويتوسط بمحبة مطلقة، حتى طلبني من مكتبي ليقول لي: طلع دكتورك مبروك. والاتصالات استمرت ساعات حتى عرف مكانه وتمت محادثة المعنيين. إلى اليوم أشعر بالامتنان للهفة الأستاذ وضاح وما فعله من أجل الدكتور، وذهبت بعدها لبيت أستاذي في مشروع دمر واطمأنيت عليه.
بعد أيام تحدثت مع د. نبيل طعمة الذي رتب لقاء مع د. طيب في مطعم أصالة الشرق، وكان الطيب مرهقا متعبا يدور ببصره هنا وهناك، يحرك لفافته الوطنية بين أصابعه، يتحدث عما يجري بحرقة ويبكي!
مسحت على يده، وقلت له: هل تسمح أن أكتب ما تقوله، وقد صار في ذاكرتي؟ سمح لي.
وفي اليوم التالي كتبت زاوية طويلة عنوانها (عندما بكى طيب تيزيني) عرضتها على الأستاذ وضاح لحساسيتها، وهو لايصادر الرأي عادة، وهامشه كان مرتفعا، قرأ، ابتسم، قال لي: اللي بتشوفه..
ونزلت المقالة، ونالني والصحيفة من النقد والشتم ما نالنا، وقال بعضهم: خائنان من مشرب واحد، وبعدها بأيام اتفقنا على تسجيل ندوة تلفزيونية بمبادرة د. نبيل، وبمشاركة د. طيب، وسجلت الحلقة في قصر الأمير عبد القادر الجزائري في دمر، واتفقنا أن أجلس جانبه لآخذ الحديث عنه إن حصل تجاوز في التعبير، وقد قال د. طيب كلاما قاسيا وجريئا يحسب له..
واستمرت لقاءاتي بالدكتور الطيب، وأهداني عددا من كتبه، واكتشفت غرارة عهد الشباب، وأنني لم أقدر منهجه في وقت مبكر، ولو اختلفت معه..
رحل أستاذي د. طيب تيزيني عن الدنيا، ونشرت المقال مرة أخرى في رحيله، ونشرتها في كتابي (الحب وقتلنا دهشته) الصادر عن دار الشرق بدمشق للدكتور نبيل.
كل يوم أقرأ كلاما عنه لأناس يهبشون الكلام من هنا وهناك، ولم يعرفوا الدكتور ومنهجه وطيبته، بل وبراءته..
بقي طيب تيزيني يحمل حقيبته الجلدية حتى رحيله، ويستقل وسائل النقل العامة، وبيته كان غاية في البساطة، ودخانه كان من النوع الوطني، ولم يقبل أن يغيره حتى بالضيافة ولا مرة..
أفخر بأن القدر جعلني تلميذا للدكتور طيب تيزيني، وجعلني قريبا منه في الأيام الأخيرة..
ملاحظة:
هي خاطرة طالب يستذكر أستاذه، ويحاول أن يهديه وردة، وما أجمل الذكرى، وأنا لم أكن معارضا يوما ولن أكون، ولم أكن موالاة ولن أكون، لأنني لست معنيا بالسياسة كما شهد لي زملائي وأساتذتي، فأنا للأدب والفكر والمحبة. أما السلطة عبر التاريخ فلها أهلها وأشخاصها، ويشرفني أنني لم أكن، وكل منجزي بتعبي ومالي على نفقتي، وبحب الأصدقاء الذين كانوا عونا لي على الزمن.