السماوة وذكرى المتنبي الحاضرة
اسماعيل مروة
في البصرة الآسرة كانت الليلة الأولى لي، كانت تأملا في المدرسة النحوية البصرية العربية، كانت حلما مع الخليل بن أحمد، وشناشيل بدر شاكر السياب، فبعد أن زرت الكوفة ومسجدها وقرأت للكسائي بقيت البصرة..
في المساء كان مضيفي الرائع وأخي محمد مصطفى جمال الدين مرهقا للغاية من رحلة طويلة من بغداد إلى كربلاء والنجف والكوفة وبابل وذي قار والناصرية وسوق الشيوخ، والمشاركة في مهرجان في ديوانية مصطفى جمال الدين، شارك فيه أدباء العراق الكبار من الشمال إلى الجنوب، وأرهقني حبهم وشعرهم، فأصريت على أن يذهب أبو حنين لأسرته وفعل..
في بهو الفندق كنت أستريح عندما حضر شخص آسر طيب يسأل عن وصول ضيوف مهرجان السياب، وعند مغادرته وضع يده بيدي وأخذني معه، كان الأستاذ الأديب زكي الديراوي، الأديب وصاحب مشروع (دار الأدب البصري) ومعه صديقه ونديمه وشريكه الأديب والكابتن، وقد غلبت مناداته بالكابتن على اسمه، وذهبا بنا إلى سهرة بديعة في (حدائق الحسون) وفي الطريق استعرضا أسماء المشاركين في مهرجان السياب، ولفت انتباهي مباشرة الاسم الشعري الكبير يحيى السماوي، استفسرت وعلمت أنه سيكون مشاركا، وعادت للذهن قراءاتي المتفرقة وغير الكافية لشعر الشاعر، الشاعر الذي كانت له ذكريات طيبة في الشام، لكنني لم ألتق به بشكل مباشر لهيبته وقلة بضاعتي، ومن ثم بسبب سفري لسنوات خارج سورية، وحين عدت كان قد غادر في أرض الله الواسعة..
لم يكن يحيى السماوي قد وصل من السماوة، ولست أدري كيف عاد إلى الذهن جدنا المتنبي وقصته، إن كانت صحيحة، في بادية السماوة، وبكل حال لها دلالتها، فهذه الأرض شعر وشعراء وفكر، وثمة ما يربط بين نبوءات الشعر والمكان..
وضعت تصورات عن الشاعر الكبير وغطرسات الكبار، حتى كان الصباح، الشعراء يتحلقون حول إنسان يبتسم، يتحدث عنهم لا عن نفسه، كل واحد يذكره بنفسه ليفاجئه السماوي بحديث وإشادة، اقتربت على وجل واستحياء، وقبل أي كلمة غمرني يحيى السماوي بساعديه وضمني إليه، ولسانه يردد كلمات ترحيبية غاية في الود، وأجلسني إلى جواره وأخذ يسرد ذكرياته الشامية، ويتحدث بحب عن أصدقائه في الشام، وفي المساء على المنصة تحدث للسياب وأبدع، ووجدتني أقف إلى جانبه على المنصة، لعل روعته تعديني، ومعا في شناشيل البصرة أمضينا سهرة على طاولة واحدة، السماوي والأديب منذر عبد الحر ومحمد مصطفى جمال الدين والشاعر عيال الظالمي، ليكون اليوم الختامي للسياب مختلفا، فقد انتهى المهرجان، وحزم المشاركون حقائبهم للسفر، واتفقوا على سيارة تقلهم، ومع أن الأدباء يجلونه، ويسعون إلى وده إلا أنني أتذكر يحيى السماوي الكبير عندما أصر على الأخ الذي اتفق مع وسيلة السفر في أن يدفع ما يترتب في هذه الرحلة وفعل بعيدا عن الأعين، ولفتني أن خبر موت واحد من كتاب العراق قد وصل، وهو شخصية يجلها الكثيرون، فسأل السماوي الموجودين، فلم يجمعوا، لكن السماوي قال للجميع: أما أنا فسأذهب للعزاء فالراحل صديق وقد قضيت معه أوقاتا عصيبة في الزنازين والنضال، كان قوله قاطعا، ويوم سفري كانت الأمانة العامة تقيم عزاء للراحل في بغداد، وهذه ظاهرة فريدة في العراق واتحادهم بتكريم القامات وهي على قيد الحياة أو بعد الرحيل فلهم شكر وريادة.
كان بودي أن أتحدث عن شعره الرائع والأصيل، وعن فكره الثابت، وعن انحيازه للمكان والحب، لكن المساحة الوجدانية لاتسمح بذلك، ولو فعلت ذلك فإنني أغمطه حقه، وهو الشاعر الكبير الذي أقيمت حوله دراسات وازنة في دوريات وكتب ورسائل جامعية..
لكن المتنبي الذي عانقته فيه وفي شعره، والسماوة التي ألحت باستحضار أثرها، كل ذلك دفعني للإبحار في روح يحيى السماوي الإنسان والأصيل، الذي أعده من المبدعين القلائل الذين لا أندم على الاقتراب منهم، بل أتحسر لأنني لم أكن لصيقا بأرواحهم وإبداعهم..
المبدع الأستاذ يحيى السماوي، هزت الوجدان صورتك وكلماتك عن شراء مقبرة للعائلة، وأنت تشكر الله أن هيأها لك، لكنني لم أر في جلستك غير التصاق بأرض العراق التي أخرجتك، وغير تحليق في سماوات الإبداع والشعر والانتماء.. وما سمعته عنه شاعرا وإنسانا من الشاعر الصديق سامي أحمد بعد عودتي، جعلني أتوق للإبحار في عوالمه.
عسى أن يجود الزمان بلقاءات وقراءات لأتعلم من عبقرية السماوة وإلهاماتها لمبدعيها..
الكبير يحيى السماوي محبات، والشكر للسياب والبصرة، والمحبة للأستاذ زكي الديراوي ومشروعه، ولأخي محمد جمال الدين الذي فتح لي نافذة فكانت العالم من شعر وحب هو العراق، من المتنبي إلى كل وتر في شعر العراق المكتظ بالشعراء..