أدونيس ولقاء غير مرسوم

اسماعيل مروة

عام ٢٠١٠ تلقيت دعوة من (جمعية العاديات) في جبلة ومن رئيس الجمعية فيها الأستاذ جهاد جديد حفظه الله لحضور المهرجان فيها وفي المسرح الروماني، ترددت أولا ثم حزمت أمري وقصدت جبلة، وكانت أول مرة أزور مدينة جبلة الغالية وأدخل في أزقتها، وصلت لألتقي المحامي طه الزوزو وأتعرف إليه وإلى ثقافته الموسوعية، وألتقي بالأستاذ جهاد جديد الذي أعرفه من قبل من حديث صديقه الراحل د. هاني صالح الصديق الحبيب وسبط الشيخ سليمان الأحمد وابن السيدة أمينة، وجولاتي كانت مع الكاتب قمر الزمان علوش رحمه الله، والذي تعرفت إلى أسرته الكريمة، وصحبني برحلات لاتنسى إلى ريف جبلة، وأول مرة أتذوق حلاوة مريش الشهيرة..
أمضيت أيامي في ضيافة الأستاذ طه في صومعته داخل المطعم الشهير.
كان الافتتاح الرسمي لوزير الثقافة آنذاك رياض نعسان آغا وقدمت الحفل الفنانة رنا شميس، وفي أثناء التجوال لمحت أدونيس الشاعر والكبير، فصرت أمشي قريبا منه لأسمع كلماته، فهذه أول مرة أراه مواجهة، وفي الغداء الرسمي شاءت الظروف أن أجلس إلى جواره ووزير الثقافة، وتحدثا وأنا أسمع.. وصرت أتواصل مع الأساتذة طه، وجهاد، فأخبرني جهاد بأن أدونيس سيأتي لزيارة أمه أم علي رحمها الله، وكانت من أسباب زياراته لجبلة، قلت له: هل يمكن أن أقابله؟ أن أحاوره؟ فأعرب أن الأمر يتعلق بأدونيس، ولو شئت تعال وحضر نفسك، ولو سمح الظرف يكون اللقاء بين الالتزامات..
توجهت إلى جبلة بمفردي ثاني أيام عيد الفطر ٢٠١٠ وعلى باب جبلة تعرضت لحادث سير مروع، لكن الأصدقاء قمر وجهاد وطه لم يتركوني إلّا بأفضل حال، وتعهدوني طبا، وتعهدوا سيارتي إصلاحا، فلهم الشكر دوما.
وعلى شاطئ جبلة كان اللقاء الصباحي بأدونيس، وفي المساء كانت سهرة ممتعة في (قصابين).
ليكون اللقاء الأهم في بيت جهاد جديد وبدعوة منه، بدأت الجلسة عند المغيب وانتهت في السادسة صباحا، استأذنت أدونيس في التسجيل، فوافق على تردد، وقال: سنرى.. ومع الوقت تخلى أدونيس عن تردده والساعة تتلوها أخرى، وأشرطة التسجيل تتراكم أمامنا.. وفي السادسة صباحا توجهنا إلى مطعم كان قد حجز فيه الأستاذ جهاد للعشاء المتأخر فصار إفطارا..
كانت عينا أدونيس تشعان حيوية وذكاء ومحبة، وحين عانقته مودعا قلت: سأطلعك على الحديث قبل نشره، وسأكون أمينا بلا حذف شيء.. رد أدونيس: لا أريد الاطلاع وأنا أثق بك لذلك جلسنا وتحدثنا ورأيت أنك قرأتني قبل اللقاء، وودعته..
في صحيفة الوطن وافق رئيس التحرير الأستاذ وضاح عبد ربه على نشره دون حذف، ونشر الحديث سبع حلقات، وحاول وزير الإعلام حينها أن يتدخل في الحديث ونشره، فلم يقبل الأستاذ وضاح، بل نشره دون حذف وأصدره في كتاب مجاني عن الصحيفة..
عتب كثيرون على أدونيس أن أعطاني هذا الحوار وأنا من مشرب مختلف برأيهم، حاولوا إيصال انطباعات سلبية عن الحديث، بعضهم استاء من وجود اسمي على الغلاف مع الصياغة، لكن أدونيس وقد كلمته مرات أثناء النشر وبعده كان راضيا جدا ولم يلتفت لأي كلمة..
هذا الحوار الذي كان في ١١ أيلول ٢٠١٠ يعد عندي فاصلة مهمة أعطتني فرصة نادرة للقاء قامة نادرة الوجود، يختلف معك ويحترم اختلافك، ويعرف المسافة الفاصلة لكنه يتماهى معك..
الإنسان الذي يحب اسمه دون لقب، الإنسان المنتمي لأم علي وأصدقائه، الإنسان الطبيعي بلا رتوش، أشكر الله على ما منحني من فرص لقاء شخصيات مهمة، سواء اتفقت معها أم اختلفت، وهذا الحديث أضاف إلى رصيدي الفكري والمعرفي الكثير، وإلى رصيدي الإنساني أدونيس وأصحابه الكبار..
ولعل أهم ما جاء بعد الحوار، العلاقة القدرية الرائعة مع الصديق النقي الشاعر الجميل سامي أحمد صاحب مشروع دار التكوين صاحب الرؤية المتقدمة في النشر، وما تزال هذه المحبة ضياء ينير النفس..
تحية للشاعر والناقد أدونيس، والشكر له، وللأصدقاء محبات، ولجبلة التي لم تنهني على عتباتها، ولكل من عاملني بأريحيته كل المحبة.