اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين وأكاديمية دار الثقافة يحيون ذكرى يوم الأرض
أمينة عباس- فينكس
ما بين البعد السياسي ليوم الأرض وانعكاسات هذا اليوم على الأدب والفن التشكيلي الفلسطيني، وقد أصبح جزءًا من السردية الفلسطينية التي ما زال الشعب الفلسطيني فيها يكتب فصولها بالدم لاستعادة ما سلب منه، إيمانًا منه أن الحق لابد وأن يعود لأصحابه، وأن الأرض هي الهوية، استعاد الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين بالتعاون مع أكاديمية دار الثقافة مؤخراً ذكرى يوم الأرض الخمسين بدلالاته التاريخية ومعناه الوطني من خلال ندوة شارك فيها الباحث معتصم حمادة، والروائي د. حسن حميد، والفنان التشكيلي محمد الركوعي، والشاعر أحمد خليل، وكانت بإدارة الناقد أحمد هلال. وقد أجمع المشاركون في هذه المناسبة أنهم في هذا اليوم لا يستعيدون ذكراه فقط، بل يستعيدون ذاكرة ذلك اليوم الطويل الذي لم يكن كبقية الأيام، حيث الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل هي حق وهوية وذاكرة، وأن نضال الشعب الفلسطيني مستمر حتى ينتصر صاحب الحق ويعود أصحاب الأرض إلى أراضيهم. مؤكدًا معتصم حمادة في مشاركته أنه لا وطنية فلسطينية بمعزل عن الأرض، وكل حديث لا يقوم على مبدأ التمسك بالأرض والقتال من أجلها تصبح القضية الفلسطينية مجرد شعارات وتهويمات، وأن الحديث عن العودة دون الحديث عن الأرض التي هُجِّر منها الفلسطينيون هي عودة ناقصة لا تلبي حقوق الشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن يوم الأرض عام 1976 لم يقم كنبتة برية، بل اندرج في إطار نهوض الوطن الفلسطيني والتعبير عنه بالتصدي لمشروع القضاء على الشخصية الفلسطينية وهوية الأرض الفلسطينية، فجاء المشروع الوطني الفلسطيني ليؤكد على خيار البندقية أمام العالم حينما عجز المشروع المجتمعي الدولي بكل قراراته عن إحقاق الحق، فكان خيار الشعب الفلسطيني الدفاع عن الأرض الذي لا يمكن برأيه إلا من خلال المقاومة بكل أساليبها، وهذا ما أثبته تاريخ النضال الفلسطيني، لذلك كانت شعارات هذا اليوم التأكيد على العلم الفلسطيني وإن شعب 48 في فلسطين هم الركيزة الأساسية للمشروع الوطني من أجل الحرية من الاحتلال، وهي ركيزة التحمت مع ركيزة النضال في الخارج في مواجهة العدو والمشروع الصهيوني والدفاع عن الأرض والمصير الواحد: "أن الدولة الفلسطينية هي الدولة التي تقوم على الأرض الفلسطينية، وإذا لم ندافع عن الأرض وعن الدولة المستقلة لن تكون هناك دولة للشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن مشروع الدولة هو مشروع تحرير الأرض والخلاص من كل مظاهر الاحتلال".
كما وصف حمادة في مشاركته طبيعة المشروع الصهيوني الاستعماري والمشاريع الاستعمارية الأوروبية التي قامت على مبدأ سلب قطعة أرض ليقام عليها دول النخب اليهودية، وأن المشروع الفلسطيني بمحوره وعنوانه وجوهره يقوم على التصدي للمشروع الاستعماري الصهيوني انطلاقًا من إيمانٍ واضح بحقه في هذه الأرض والدفاع عنها.
الأرض عطشى... لماء القلب؟!
يوم الأرض هو انتفاضة الشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر (عرب إسرائيل)، وكان الجميع ظن أنهم انفصلوا عن أهلهم، إلا أن انتفاضتهم في هذا اليوم أكدت أن الحس الوطني والانتماء متجذر لديهم، وقد كان هذا حدثًا محوريًا في الأدب لا سيما ما اصطلح عليه أدب المقاومة، وتجلت انعكاساته في الرواية والشعر والمسرح والفنون. يقول الروائي د. حسن حميد: "ما أعز الأرض، وما أجمل معانيها، وما أسعد أهلها بها، وما أشقاهم بها حين يتركونها مرغمين، لقد وعى أهل فلسطين أن الأرض هي العرض! أي الشرف والكرامة والكبرياء والوطن، ولأن فلسطين بلاد قداسة وخصب وحياة، كانت أرضًا مستهدفة فدمرت قراها، وخربت بيوتها وحقولها، وقد ظلت الأقلام شواهد الرؤى، عطشى لتروي لنا ما كان، وظلت الأخبار سطورًا راهجة مكتوبة في ورق حفظته الجرار"، مشيرًا إلى أنه في هذا اليوم استشهد الصغار والكبار، وقد وعى هؤلاء الشبان الشجعان أنّ الدنيا هي الأرض، وأن الحياة لا اعتبار لها من دونها، لأن الأرض هي البيت، والزوجة، والابن، والسكن، والطمأنينة التي لا تماثلها طمأنينة في الدنيا، وهي الكتاب الذي لا يعدله كتاب، حتى لو كانت أحباره ماء الذهب! ولأن الأرض العزيزة هي الوطن! ولذلك مضى زمن طويل وأهل فلسطين يستشهدون ويجرحون ويسجنون ويعتقلون ويهجرون ويشردون يوميًا من أجل الأرض لأنهم مقتنعون بأن الأرض أرضهم، ولذلك كتب غسان كنفاني روايته "رجال في الشمس" وكانت رواية المكان والأرض، وكتب جبرا إبراهيم جبرا روايته "البحث عن وليد مسعود" من أجل انتقاد حمولة الماضي، وتجديد الحاضر بعزم جديد، وطي صفحة البكاء واليأس والندم، وضرورة شق طريق نحو الأرض الفلسطينية. وهذا ما جعل توفيق فياض يكتب روايته "وادي الحوارث" من أجل فضح القوة الإسرائيلية الباطشة التي احتلت الأرض وهجرت أهلها، في حين كتب رشاد أبو شاور حياة المشردين الفلسطينيين في المخيمات الذين يحلمون في روايته "العشاق" بقراهم ومدنهم التي طردوا وهُجِّروا وشُرِّدوا منها، وتسائل حميد كذلك لماذا استغاث راشد حسين بالسماء قائلاً: أنا الأرض، لا تحرميني المطر؟ ولماذا آخى عز الدين المناصرة دوالي الخليل، ورجاها ألا تثمر، كي لا يذوق الأعداء طعوم أرضنا؟ ولماذا روى باجس أبو عطوان في مسرحية معين بسيسو الأرض بدمه؟ أليس هذا... لشعوره بأن الأرض عطشى... لماء القلب؟!
كان يومًا فاصلاً للفنانين الفلسطينيين
أما الفنان التشكيلي محمد الركوعي فقد بيّن أن الأدب والفنون كانت وما زالت ملتزمة وتدافع عن الأرض في فلسطين، ورأى أن يوم الأرض عام 1976 كان يومًا فاصلاً للفنانين الفلسطينيين الذين تأثروا بمجرياته، فقفز قفزة مختلفة بعد تلك الانتفاضة من خلال تجرؤهم بالرسم المباشر وتحدي الاحتلال، وقد تعرّض عدد منهم للاعتقال: "لقد تجاوز الفن بعد هذا اليوم الحواجز وخرج الفنانون بأفكار جديدة وحضر الشهداء فيها، ومازالت الأجيال المتعاقبة من الفنانين يرسمون الأرض والخريطة الفلسطينية، ويدافعون عنهما، فالفنان الفلسطيني كان وما زال متفائلاً أن العدو إلى زوال والأرض ستعود لأصحابها، وهذا يؤكد أن الفن التشكيلي الفلسطيني لا يعكس المفهوم الفني للوحة فقط، بل يعكس المفهوم النضالي لشعب مازال مؤمنًا بحقه في العودة إلى أرضه".
وبالشعر ومجموعة قصائد نظمها وألقاها الشاعر أحمد خليل تعبر عن التمسك بالأرض اختتمت الندوة ليبقى هذا اليوم وكل يوم يمر على الشعب الفلسطيني بنضاله للعودة حق لايموت.