قلم رصاص

محمد صباح الحواصلي
أعطيتُ أبي قلمي الرصاص، المكسورَ الرأس، وسألته أن يبريَه لي بالموسى؛ لأن برايتي شفرتها غيرُ حادّة. ففتح درج مكتبه الخشبي القديم، ففاحت منه رائحة كولونيا «تاباك» ذات النقطة الزرقاء المطبوعة في أعلى عبوتها الزجاجية البيضاء، ورأيتُ الأشياء التي تُغريني والتي تمنّيتُ دائماً لو أمتلكها، مثل الطوابع الملصقة على مكاتيب كثيرة محزومة بمطّاطة، ومكبّرةٍ مستديرةٍ كبيرة، وقلمِ ستيلو «باركر»، وسكاكر «ناشد إخوان» التي يقدّمها للمرضى الأطفال. أخرج موساً مطوياً صغيراً بحجم إصبع، ووضع حدَّه على الطرف المبري من القلم، وجعل يقشطه بمهارة على نحو دائري. كنت أرقب بإعجاب نُثَرات الخشب المتطايرة بخفة وسهولة، الساقطةَ على نحوٍ محكم فوق جريدةٍ وضعها أبي على التربيزة، دون أن تقع نُثرة واحدة على الأرض. وكنت أرفع نظري إلى وجه أبي بإعجابٍ بقدرته التي بدت لي فائقةً في بري القلم بالموسى. قلت له بصوتٍ مغمورٍ بالدهشة:
«بابا.. أنت شاطر في بري القلم بالموسى.»
أجابني:
«من المفروض أن أكون شاطراً.. ألستُ طبيباً جرّاحاً وأستخدم الأدوات الحادّة؟»
ثم قلت له:
«ألم تقل لي إنك تريدني أن أصبح طبيباً جرّاحاً؟»
«صحيح..»
«إذن علّمني كيف أبري القلم بالموسى.»
ضحك وهو يعطيني قلم الرصاص، وقد بدا رأسُ القلم مستدقاً مغرياً بالرسم والكتابة، ورأسُه الرصاصي أطولَ من الرأس الذي تصنعه البراية، وقال:
«سأعلّمك عندما تكبر.. الآن من الأفضل ألّا تستخدم الموسى لكي لا تجرح يدك.»
لكنني لم أنتظر حتى أصبح كبيراً لكي أبري قلماً؛ فقد دخلت عيادة أبي دون علمه، وفتحتُ درجَه الأثيرَ على نفسي، وأخرجتُ الموسى، ووضعتُ جريدة على التربيزة، ووضعتُ حدَّ الموسى على بداية الطرف المبري من قلم رصاصي، وكشطتُ الخشب كشطةً واحدة انغرز على إثرها الموسى في خشب القلم وتوقّف، ربما لأنني ضغطتُ أكثر من اللازم. حاولتُ مرةً أخرى، فلم أشعر باللذة التي اعترتني حينما كنت أنظر إلى أبي وهو يبري القلم بموساه. كشطتُ الرأس مراتٍ عديدة حتى ظهر رأس القلم الرصاصي عريضاً، ضعيفاً، بعيداً عن الإتقان. أعدتُ الموسى إلى الدرج خائباً، وألقيتُ بنُثار البري في سلة المهملات، وتملّكني يقينٌ بالفشل، وبأنني — ربما بسبب فشلي هذا — من المتعذّر عليّ أن أصبح طبيباً جرّاحاً. لم آسف كثيراً على ألّا أكون طبيباً بقدر أسفي على فشلي في بري القلم بالموسى.
وعندما كبرتُ، وأصبحتُ طالباً في كلية الآداب، حكيتُ لأبي تسلّلي إلى عيادته ذات يومٍ بعيد، واستخدامي موساه لبري قلمي، فقال لي:
«أعرف..»
ولم أعرف كيف عرف أبي!