"حجر الزار" بين ماض جميل.. وحاضر موجع
أمينة عباس - فينكس
نظّم فرع سورية للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين، بالتعاون مع النادي العربي بدمشق، مؤخراً أمسية أدبية للاحتفاء برواية (حجر الزار) التي صدرت حديثاً للروائية والقاصة مي جليلي، وقد شارك فيها: أستاذة علم الاجتماع في جامعة دمشق د. سيليا أبو شقرة، والناقد د. سليمان حسين، والباحث الأكاديمي د. ثائر عودة، وأدارها الروائي إحسان غرير الذي أكّد في بداية الأمسية على أنّ الروائية مي جليلي تكتب كما تعيش وتتكلّم، وليس هناك انفصام بين حياتها وكتابتها.
سيرة ذاتية روائية
توقّفت د. سيليا أبو شقرة في مشاركتها عند الفيض الإنساني الوجداني الذي ملأ فضاء الرواية، ورأت أن مي جليلي تكتب عن وحدة الجرح بين فلسطين وسورية، وتجسّد بصدق الارتباط الروحي والوجداني بين البلدين: "وهي تشبهنا بكل ما تكتب، لذلك لا يمكن لقارئ الرواية إلا أن يشعر أنها تخاطبه وتعنيه أحداث روايتها بوجه من الوجوه. ومن الناحية الاجتماعية، فقد انعكست آثار الحرب وويلاتها التي عصفت بسورية على كل من تقاطروا على صفحات الرواية." أما د. ثائر عودة فقد عدّد مرايا الرواية التي تجعل الناقد يحار عن أي مرآة منها يتحدث، ابتداء من السخرية التي تقفز وسط الفجائع والمعاناة، أو عن اللغة السحرية الرشيقة التي أضفت نوعاً من الشعرية على الحكي، أو من خلال تراكم الحكايات وتتاليها في زمن الحرب والحب من خلال سيرة ذاتية روائية مفارقة للسيرة الذاتية البحتة، ورأى أن الرواية تنوس بين زمنين: زمن ماض جميل وزمن حاضر موجع، من خلال جيل النساء اللواتي تقاطرن على الرواية وأمسكن بالخطاب الذي غلّفته المراهنة والمصادفة التي تنشد النجاة.
وأخيراً اختار د. عودة الحديث عن شعرية الفضاء الذي رأى أنه سيّد هذه الرواية، وقسّم أمكنة الفضاء إلى قسمين: أليف ومعاد، فجسّد المخيّم صورة المكان الأليف المفقود، وجسّدت المحطات المكانية الأخرى صورة المكان المعادي الطارد.
من روايات الحرب
من جهته، اختار د. سليمان حسين أن يدخل إلى الرواية من باب تصنيفها ضمن الروايات التي كُتبت عن الحرب السورية والتي كتبها روائيون سوريون وفلسطينيون، وعبروا عمّا حلّ بهم من خلال تجربتهم مع اللجوء والرحيل الاضطراري إلى بلاد الشمال. وأجرى بعد ذلك مقارنة عميقة بين رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح وبين رواية (حجر الزار)، وفصّل بالاختلاف الفكري الذي حكم الخطاب في كلتا الروايتين. ثم حلّل مكونات الرواية الأخرى وركّز على اللغة الشاعرية التي عوّضت في كثير من المواضع عن تتابع الأحداث وتناميها، ورأى أن اللغة في الرواية فرضت استعاضة فنية -بمعنى من المعاني- عن مكونات السرد الأخرى، وخلص إلى أن هذه الرواية تقف في مقدمة الأعمال التي تناولت الحرب السورية والهجرة واللجوء.
الهجرة والغربة
تحدّثت الروائية مي جليلي عن معاناتها مع الهجرة والغربة وظروف كتابة هذه الرواية، وعن هموم الكتابة لديها، وكيف تحوّلت الكتابة إلى مساحة تعويض في بلاد المهجر الباردة، وعن فقد العلاقات الحميمية والثقافية بين البشر هناك: "كتبت روايتي 'حجر الزار' في بلد بعيد عن دمشق.. بلد ليس لي فيه ذرّة ذكرى، خرجت وراء أولادي، حملت هموم الرحيل ووجع تقطيع الجذور. كتبت روايتي في عتمة الغربة، أتنفّس الماضي، تفور وتغلي بين يديّ حكاية الوصول إلى نقطة الصفر. وقفت فوق الصفر، بردت وتعبت، لكنّي تنفّست روايتي هذه كي أعيش".
ختمت الأمسية بإضاءات مهمة من الحضور، وتساؤلات عميقة حول الرواية، فكان التفاعل عنوان الجدل والسبر العميق، مما جعل الأمسية تجمع بين الشغف والاحتراف، بين دفء الكلمة وصدق المشاعر. واختتمت بتوقيع الروائية مي جليلي لروايتها ونثرها بين أيدي قرّائها على أمل أن تترك فيهم أثراً طيّبا.ً.
مي جليلي
يُذكر أن رواية "حجر الزار" صدرت حديثاً عن دار دال في دمشق، والكاتبة مي جليلي روائية فلسطينية من مخيّم العائدين في مدينة حمص، عاشت سنوات طويلة في دمشق قبل أن تستقر في هولندا، وهي عضو اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين - فرع سورية - من أشهر أعمالها الروائية: "قبضة غبار"، "قناديل الجليل"، "براري النرجس"، "جلد الثور"، والمجموعة القصصية "حراب القصب". نالت العديد من الجوائز، أشهرها: جائزة "المزرعة – السويداء" عام 2011 عن روايتها "براري النرجس".