أستاذ سلفي كفّر طه حسين بسبب ترجمة قصة الحضارة

عصام الزهيري
جريدة "المقال" ٢٣ يناير ٢٠١٦
خلال خمسينيات القرن العشرين تعرض "طه حسين" لهجوم تكفيري سلفي من نوع غريب يستحسن أن نتوقف لفحصه وتأمله، إذ يتيح لنا من جهة الاقتراب من وضع غير مألوف من الأوضاع التي يمكن أن تتخذها الجرثومة الأصولية بجمودها وعدوانيتها وعدائها للعقل والعلم والثقافة، كما يعيد إلى الأذهان التذكير بضرر موقف الصمت الذي يفضل البعض أن يركن إليه في مواجهة الهجمات التكفيرية واللأخلاقية على مفكري ورموز النهضة الثقافية المصرية خطأ منه في تقدير خطورتها.
في تلك الأيام من الحقبة الناصرية إبان ازدهار المد القومي وصيحات الاشتراكية ومواجهة الاستعمار والرأسمالية والانتصار عليهما، كان لابد فيما يبدو أن يتخذ المرض السلفي هذا الشكل في هذا المناخ. كان طه حسين وقتها يرأس اللجنة الثقافية بجامعة الدول العربية، وهي لجنة سارت برئاسته في طريق ازدهار أصبحت بفضله وخلال سنوات قلائل مؤسسة ثقافية عتيدة، ترعى حركة نشطة للترجمة والنشر تعيد للأذهان نبوغ الترجمة العربية أيام المجد الحضاري العربي الغابر، وكانت تقيم المؤتمرات الثقافية والعلمية الضخمة بحضور وفود من مفكرين ومثقفين ينتمون لكافة الدول العربية. وكان أحد مشروعات الترجمة والنشر الثقيل التي تصدت لها اللجنة أيامها ترجمة ونشر موسوعة المؤرخ الأمريكي "وول ديورانت" في 42 جزء، وهي موسوعة صارت معروفة في كل لغات العالم تقريبا وعنوانها "قصة الحضارة"*.
عندئذ نشرت مجلة الرسالة* مقالا طويلا لكاتب اسمه: "محمد محمد حسين"، كان في هذا الوقت أستاذا بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وقد انتدب فيما بعد أستاذا بجامعة محمد بن سعود بالسعودية. والمهم أن المقال حمل دعوة سلفية رجعية مغرقة في شذوذها ونشازها في أجواء تلك الآونة، كان مفادها رفض ترجمة مؤلفات التاريخ والأدب والعلوم الإنسانية الغربية، ولاحظ أن كاتب المقال أستاذ في كلية الآداب، لكنه حمل بين سطوره هجوما من طراز منفر في شراسته وعدوانيته، وأكاد أقول انحطاطه، على اللجنة الثقافية وعلى رئيسها ورمزها طه حسين.
بدء من عنوان المقال: "طه حسين وترجمة الكتب الهدامة"، لابد أن يجد المرء نفسه مضطرا للقفز على عدة فقرات قبل الوصول إلى عظم النقد الهش المتهافت للموسوعة وناشرها، غير أن هذه الفقرات الأولى كفيلة بإثارة الدهشة من المدى الذي وصل إليه كاتبها في ضعف الأسلوب والقدرة المنطقية، على غير الفكرة السائدة عن خريجي وأساتذة الجامعات في تلك الفترة، والجدير بالذكر أن محمد محمد حسين حصل على الليسانس من الجامعة المصرية سنة 1937، والمثير للالتفات أن طه حسين كان عميدا لكلية الآداب في هذا التاريخ ومدرسا بها حتى سنة 1942، أي خلال الفترة التي حصل فيها كاتب المقال على الماجستير والدكتوراة.
في هذه الفقرات الأولى يمارس الكاتب تخبطا رمزيا مثيرا للشفقة في تحديد "فريق" من الغرب دون فريق، وهذا الفريق الدون فريق المقصود به المعسكر الأمريكي وحلفاؤه الإنجليز والفرنسيين، ولابد أن يستنتج القارئ أن الفريق الآخر الذي لم يحضر ذكره فريق الاتحاد السوفيتي وحلفائه، مما يعني أن الرجل أراد غمز طه حسين على خلفية توجهات السلطة الناصرية يسارا، لكنه فعل ذلك ولا شك بطريقة مرتبكة إذ قال: "ومن الواضح أني حين أتكلم على الغرب أعني الغرب كله: غربية وشرقية وعملائه الذين رشحهم والذين يطمعون في استغلالنا واستعبادنا في الغد القريب أو البعيد، الذين يغزون أسواقنا والذين يغزون عقائدنا. ومن الواضح أنهم جميعا سواء، وإنما يبدو حديثي في معظمه موجها إلى فريق منهم دون فريق، لأن ذلك الفريق – والمقصود به هو المعسكر الأمريكي وحلفاؤه من الإنجليز والفرنسيين خاصة – يمثل الخطر الراهن الماثل، ولأن عملاء هذا المعسكر هم أقدم السماسرة وأعرقهم في هذه الحرفة الدنيئة، وقد رشحهم هذا القدم وهذه العراقة – بعون سادتهم وتضامن عصابتهم – لاحتلال كثير من المراكز الخطيرة في حصوننا"، (حصوننا!).
على كل حال يعتقد الكاتب أن الدافع وراء ترجمة ونشر موسوعة قصة الحضارة و أنه: "أوحت به السفارة الأمريكية لطه حسين فترجمه بأموال العرب وأهداه إلى شبابهم ومفكريهم ولعنة الله على شياطين الإنس والجن "يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا". وهو يعتقد أن العميد: "كان بوقا من أبواق الغرب وواحد من عملائه الذين أقامهم على حراسة سجنه الكبير يروج لثقافاته ويعظمها ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم" ومن الواضح أنه يشير بعبارته الأخيرة لإضافات طه حسين الثقافية المقتدرة وما قاده من نشاط ثقافي ثري عبر لجنة الجامعة العربية.
لكن المثير أكثر كان نقده للتناول الموضوعي المنصف الذي أبداه مؤرخ قصة الحضارة تجاه الإسلام وحضارته، إذ في رأيه أن: "كلامه هذا قد يخدع ضعاف المسلمين وأغرارهم حين يرون الكاتب – وهو غير مسلم – يبدي ميلا مصطنعا إلى إنصاف نبي لا يدين بدينه. فهذا الكلام المشبع في ظاهره بروح المودة يخدع كثيرا من المسلمين فيتقبلونه بقبول حسن. وينتهي ذلك بهم إلى اعتبار نبيهم واحدا من الزعماء والفلاسفة والمفكرين والمصلحين الذين يزخر بهم تاريخ الشرق والغرب في العصور القديمة والحديثة. فيخرجهم ذلك عن إسلامهم لا شك، لأنهم لا يسلمون حتى يعتقدون اعتقادا خالصا لا ريب فيه أن نبوة محمد كانت بوحي يلاحقه (!) ويقوده ويصحح كل أعماله. ولست أبالغ ولا أدعي غير الحق حين أقول أن هذه الروح اللادينية قد أصبحت تسود دراسات التاريخ الإسلامي في الجامعات..ومالي أذهب بعيدا وها هو محمد بدران – مترجم هذا الجزء – يقدم لي الدليل بنفسه على صدق ما أقول، حين يقرر في مقدمته أن المؤلف أنصف الحضارة الإسلامية فشاد بفضلها".
ويبدو أن محمد حسين يطلب من العرب ألا يبدوا أي استحسان تجاه أي محاولة إنصاف من مفكري الغرب للإسلام ونبيه. وقد يعد هذا الأمر غريبا لو استبعدنا تصور الأصوليين لضرورة فرض الإسلام على الناس وليس استطلاع أرائهم فيه، إما أن يؤمنوا به أو يدفعوا جزية أو نقاتلهم، دون أن يكون من حقهم الإطلاع عليه وإبداء الرأي الموضوعي فيه دون مساءلة عن عقائدهم وأديانهم الذين هم أحرار فيها. وبالطبع يستحيل أن يذهب أحد أمام عقل كهذا إلى التساؤل عن معنى البحث العلمي والحياد الموضوعي والدقة التاريخية، ولو كان صاحبه أستاذا بكلية الآداب.
ورغم أن المؤرخ الأمريكي عبر عن رأيه في المسيح والمسيحية في حرية كاملة يراها محمد حسين تصل لدرجة الإساءة والتطاول على المسيح، إلا أنه يعتبر هذا الإنصاف التاريخي للإسلام لونا من الإسلام الإلحادي الهدام ويرى في هذا الجزء من الكتاب كله متمما لمؤامرة على الإسلام، فيقول: "بمثل هذا الإسلام الإلحادي الهدام عالج المؤلف حياة نبينا في الجزء الثالث عشر. ففي هذا الجزء من الكتاب أخبث أساليب الكيد والدس للإسلام. والمؤلف لا يلجأ هنا إلى الهجوم البذيء الصريح، كما فعل مع شخص المسيح الكريم عليه السلام. ولكنه يتظاهر هنا بالإنصاف، بل يبدو في بعض الأحيان كأنه معجب بشخص النبي عليه الصلاة والسلام".
لكن الأبعد من ذلك أنه يحقر من تكليف اللجنة الثقافية لأحد المشايخ بكتابة ردود على أراء ديورانت التي تتضمن خلافا مع المعتقدات الإسلامية، ويرى في ذلك جهدا غير كاف لتحصين السذج والغافلين وقليلي الخبرة بتاريخ المسلمين، لأنه ليست لدينا وسيلة لمنع وصول الكتاب إلى أيديهم، وسواء قرأوا هوامش الرد على أراء ديورانت واقتنعوا بها أو لا، فقد يهملونها وقد تستغويهم أباطيل الكتاب، فالتحصين الوحيد المطلوب ضد مؤامرة الغرب الثقافية إعدام حركة الترجمة والتوقف عن النقل العلمي عنهم.
ورغم أن المقال وصف طه حسين بأقذع عبارات التكفير والتخوين والتآمر، واتهمه في دينه وعقيدته وشرفه العلمي والشخصي إلا أن أحدا لم يهتم بالرد عليه لتهافته الشديد. ويتبقى التساؤل عن الدافع من وراء نشره في مجلة مثل الرسالة طالما أنه بهذا التهافت. غير أنه يكفي أن نعرف أن الأمر لم ينته عند هذا الحد، إذ أنه في سنة 1983 أصدر أحدهم كتاب إدانة شامل ضد العميد بعنوان: "طه حسين في ميزان العلماء والأدباء"، لا يزال البعض يحرص حتى اليوم على إعادة طبعه وتوفير تداوله في المكتبات. وللطرافة فإن محرر الكتاب أخذ على مقال محمد حسين رفض ترجمة مؤلفات الغرب في التاريخ والأدب والعلوم والإنسانية فقط، ورأى في ترجمة كتب ونظريات الرياضة والعلوم التجريبية خطرا أكبر، وقد أخذ يحذر من ذلك في قوله: "جزى الله تعالى خيرا مرة أخرى محمد محمد حسين على حسن توجيهه وإيقاظه للعالم الإسلامي، وأذكره وأذكر قادة المسلمين أيضا بخطر العلوم الرياضية والتجريبية أيضا، فإن هذه المواد تقود إلى الإلحاد كما تقود إلى الإيمان، وذلك بحسن توجيهها، فإذا درسناها لطلبتنا كما تدرسها الجامعات الغربية كانت سببا لإلحادهم، وهذا ما نلمسه في كثير من طلبتنا وياللأسف".
وغفر الله لأبي حامد الغزالي الذي اعترف منذ أكثر من ألف عام بصحة الرياضيات لكنه حذر من الأخذ بها حتى لا يؤدي الاغترار بها إلى الأخذ من بقية علوم الإغريق والقدماء. ورحم الله عقول السلفيين والأصوليين فقد غطت في بحار موت حضاري عميق.
هوامش:
*قصة الحضارة: موسوعة ضخمة في فلسفة التاريخ من تأليف الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت وزوجته أريل ديورانت، قضيا عشرات السنين في إنجازها ويصفان فيها قصة تطور جميع الحضارات البشرية منذ بدايتها وحتى القرن التاسع عشر ويتسم بالموضوعية والمنهج العلمي.

*مجلة الرسالة: مجلة ثقافية ترأس تحريرها الأديب أحمد حسن الزيات منذ عام 1933م، وكتب فيها كثير من رموز الأدب العربي آنذاك من مثل: العقاد وأحمد أمين وأحمد زكي ومصطفي عبد الرازق والرافعي والشابي والسياب وطه حسين نفسه.