الذهب العتيق.. مروان صوّاف

محمد صباح الحواصلي

في أيام الدراسة الثانوية، التقيتُ بصديقي ياسر فتّال على رصيفٍ من أرصفة حيّنا، وكان برفقته شابٌ تكسو قامته بدلة الفتوة، وعلى كل كتف من كتفيه شارتان خضراوان، علامة البكالوريا، فعرّفني ياسر به:
"مروان صوّاف." ثم قدمني له: "صباح حواصلي.."
ولم أكن أدري — ولا يدري أحد — أن تلك التحية العابرة، وذلك الوقوف القصير، سيكونان أول خيطٍ في نسيج صداقة امتدّت لعقود، وبقيت حيّة، وإن فرّقت بينها المسافات، وخفّ وهج اللقاء، فبقي جوهر الودّ على حاله.
لا أحفظ من تفاصيل تلك اللحظة شيئاً؛ فالذاكرة — كما هي عادتها — تمسك بالمعنى وتترك المكان. أكانت في جادة الأصبهاني، أم في جادة أبي ذر الغفاري، أم على رصيف شارع بغداد عند موقف المعرض؟ لا فرق. المهم أنها كانت في الحيّ، حيث تتشابه الأرصفة، وتختلف المصائر. وأنا، حين أكتب الذكرى، لا أستوثق من الجغرافيا بقدر ما أستوثق من الصدق، فالحقّ أن الذكريات تُقاس بما تركته في النفس، لا بما استقرّ على الخرائط.
وبعد زمن، التقيتُ مروانَ عند كشك (العلاف) للصحف والمجلات قبالة البرلمان. سرنا قليلًا، واشترينا فطائر بالجبنة، وأكلناها على عجل. كان الحديث يتنقّل بيننا بسلاسة: إذا انشغل فمي بالمضغ تكلّم مروان، وإذا شُغل فمه تولّيتُ الحديث. غير أن مروان كان أكثر حديثًا، وأنا أسرع فراغاً من فطائري.
تكررت لقاءاتنا بعد ذلك، منفردين أو بصحبة ياسر، حتى تبيّن لنا أن الأرواح حين تتشابه، لا تحتاج إلى زمن طويل لتتعارف. وجدنا اهتماماتنا متقاربة حدّ التماهي: حبّ الكتاب، وشغف القراءة، وعشق الأدب الحديث والمعاصر، والصحافة المصرية، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، ونزار قباني، ومحمد حسنين هيكل بجرأته وصراحته (الناصرية). جمعنا الإيمان بالعروبة، والانبهار بعبد الناصر (الذي كان شائعاً قبل حزيران 1967)، ودمشق التي كانت تسكن أحاديثنا كما تسكننا، وفيروز التي أخذت أكثر من نصيبها من ذائقتنا، وأم كلثوم التي كنا نراها قمة لا تُطال.
*
من جميل ما أذكر أنني في ليالي الصيف، كنتُ أسهر في غرفتي المطلة على شارع بغداد، أؤنس الليل بكتابٍ أو موسيقى مع سجائري وأكواب الشاي. وكان مروان، أحيانًا ومن غير موعد، يقصدني بعد خروجه من مبنى التلفزيون في ساحة الأمويين. كنتُ أنتظره بفرح، وأهيّئ كوب شاي طازج له، وأفتح النافذة، وقد هدأ الشارع، وتخفف من ضجيجه، ومن تلوثه وبقي منه نسيمٌ عليل تعدنا به دمشق دائماً. كان يرى ضوء غرفتي من بعيد، فيقرع بابي قرعات هادئة كفصحاه، فأفتح له مرحّباً، وأترك له الحديث؛ فأنا بطبعي مستمع جيد، فما قولك مع سادة الكلام من مثل مروان صواف وياسين كلاس والدكتور وليد قصاب...
كنتُ أستمع إليه بشغف وهو يحدثني عن بداياته في التلفزيون، إلى ما يلقاه من نجاحٍ أو عناء، وإلى ما في المهنة من مفارقات. وإذا كانت لغته أمام شاشة التلفاز حلتها الفصحى، وقد ساق صوته مع الجُمل كما يسوق قائد الأوركسترا فرقته؛ لا نشاز ولا ارتباك. فإن لغته في الحياة اليومية لغة تحسب عاميتها فصحى، وأن فصحاها تلميذ مجتهد لما أوصى به الجاحظ من بلاغة وإيجاز ، لغة قادرة على حمل المعنى دون عنت.
*
كان مروان، في حواراته، لا يطلب من ضيفه زينة الكلام، بل جوهره. يسأله ما يجعله يقف مع نفسه لحظة صدق، لا ليحرجه، بل ليكشف ما اعتاد الناس إخفاءه. ولعل هذا ما جعل الدكتور هاني الراهب، حين سألته
"لماذا لم تظهر مع مروان صوّاف في التلفاز؟"
تردد قليلًا، ثم قال:
"أسئلته… أحيانًا غير مريحة."
وهنا، لا تنتهي الحكاية، بل تستريح قليلًا…
لأن ما كان من مروان صوّاف أكثر من أن يُقال في فصلٍ.