الوجه الآخر للغد (قصة قصيرة)
محمد صباح الحواصلي
(١)
"طلال.. يا طلال.."
كالهمس تناهى إليَّ نداؤه، عابراً تلك المسافة القصيرة بين مدخل البناء المتعربشة على قضبانه الحديدية نبتة الخميسة، ونافذة غرفتي في الطابق الأول المشرفة على شارع بغداد. فتحت باب الشرفة الصغيرة التي ضاقت بأصص الزهور، ومن بين الزهور استقبلتُ وجهه بفتور:
"أنتَ! غير معقول ما تفعله يا زكي.. أريد أن أضع حداً لهذا."
يأتيني صوت زوجتي من الداخل، من خلف الستارة، هامساً هو الآخر:
"طلال.. تعال دقيقة."
قمت ووقفت عند باب الشرفة مستمعاً إليها، كانت في ثياب الصلاة البيضاء تقف أمام رفوف المكتبة التي كانت تكبر مع السنين حتى انحنت للسقف ووضعت له الطاعة.
"لا تحرجه يا طلال."
قلت لها:
"أنت أعلم بظروفي يا هدى."
"الله يعين الناس."
من بين الأصص طالعتُ وجهه ثانية. كانت عيناه متعلقتين بأمل سيأتي من فمي. استدعى شفقتي أديم التعب على وجهه لأن في وجهي منه الكثير.. الغضون مبتلة بعرق الهجيرة، وبدلته الرمادية التي عافت البقاء تكاد تلتصق بجسده لطول تمسكها به. عاد صوت هدى من جديد خفيضاً يكاد لا يسمع:
"لا تدعه يسأل.. السؤال مذله.."
"لن أدعه يسأل.. سأريحه من مذله السؤال."
دسست يدي في جيبي وأخرجت ما بقي فيها. ورقتان من فئة المئة ليرة. "هذا ما بقي معي.. يا هدى" طويت إحداها ورميتها له. التقطها و رفع عينيه فرأيت فرحاً يلوح وراء نظارته السميكة. آلمتني كلماته فيما هو يبتعد مسرعاً عن شرفتي: "الله يعوض عليك بكل قرش عشرة." صعقتني قسوة الكلمات، ورفعَتْ - على الرغم مني - جداراً فاصلاً بيني وبينه، وراعني شعور قاتم استقر فجأة بداخلي أخذني بعيداً إلى فسحة الماضي الذي كان، بالنسبة لكلينا، بكل أبعاده، جميلاً آمناً.. ومليئاً بالوعود.
لحقته كلماتي الأخيرة قبل أن يغادر المكان:
"يا زكي.. لا تسكر بها.. مفهوم.."
لم يرد زكي.. أو ربما لم يسمعني.. وهرول اتجاه السبع بحراتً.
(٢)
ذات يوم بعيد، قلتُ له بصوت خفيض خشية أن يسمعنا أحد:
- زكي.. يجب ألا ندخل غرفة المدير.."
"لا تخف.. تعال يا طلال.. اتبعني."
"اتبعك! إلى أين؟ من المفروض ألا ندخل مكتب المدير.. سوف نُفضَل من المدرسة."
"لا تخاف ما دمت معي.. اتبعني أيها الجبان.."
"بل سأقف هنا.."
"إن كنت تريد أن تدخن فاتبعني."
"لا.. لا أريد أن أدخن.."
وقفتُ عند تخوم المكتب، لأن ساقيَّ لم تعد تطاوعاني تجاوز مكاني، فأنا لم أصدق نفسي أنني واقف أمام باب المدير.. فكيف لي أن ألجه وأسرق من علبة سجائره سيجارتين! وعلى الفور داهمتني صورة المدير بوجهه الذي يَبُسَتْ الابتسامة على أديمه ربما لتقادم الزمن عليها، وعمّقت الغضون على جبينه، وسبقت الصورة رائحة سيجارته التي لا تبرح شفتيه، والمبتلة دائما بلعابه، والتي لا يخفى علينا نحن الصبية المدخنين أن نوعها "بافرة" من رائحة دخانها. تراجعتُ خطوات مدركاً كم كنت غبياً في قدومي مع زكي. أكان من الضروري أن أقول لزكي إنني "خرمان" حتى يبرهن لي أنه قادر على أن يفعل المستحيل حتى ولو كنا في المدرسة.
"أبشر.. يا طلال.."
"ومن أين ستأتي بالسجائر؟" قلت له وكأنني أسخر من قدرته، وعندما شعر بتوقفي نادى بصوت عال زاد من خوفي فتلفت حولي فيما كان همسه يصرخ:
"تعال ابحث معي.. فعلبة السجائر ليست على الطاولة.."
"إذن تعال أيها المتهور.."
لم ييأس زكي، بل جعل يعبث بمحتويات درج المكتب باحثاً عن علبة السجائر. كنتُ اسمع، عبر الهدوء الذي يشوب المكان، صوت حسيس الورق فتزداد ضربات قلبي، وقد تناهى لي من بعيد صوت التلاميذ في الباحة الكبيرة ذات البحرة الجافة. فقدرت من درجة الضوضاء – التي كانت خفيضة - أن المدير يراقب التلاميذ من خلف زجاج المدخل المفضي إلى الباحة، أو يجول بينهم، يداه خلف ظهره، ورأسه ساقط بين كتفيه، وسيجارته بين شفتيه، مستغرقاً في التفكير، واحياناً باحثاً عن خطأ يستحق العقاب. لا بد من أن يكون المدير الآن خلف الزجاج، لأنه لو كان في الباحة لكانت حركة الأولاد مرافقة للخوف.
عثر زكي على علبة السجائر في الدرج فأخرج منها سيجارتين ودسهما في جيب قميصه وخرج من غرفة المدير وهو يقول لي:
"ليس من طبعي اليأس."
قادني بيده إلى مدخل سمَّاه سرياً أوصلنا إلى جزء من سطح المدرسة يشرف على الجانب القديم من دمشق، وجلسنا تحت شمس الضحى في ذلك اليوم الشتائي الدافيء ندخن سيجارتي المدير. وجعل زكي يتجلى في الحديث:
"أتعرف يا طلال أن اعدادية الواقدي هذه كانت من زمان بيت فريد الاطرش أسمهان؟
"ومن أسمهان؟"
"أخت فريد الأطرش التي تغني "يا حبيبي تعال الحقني شوف اللي جرا لي"
"عرفت الأغنية."
"إذن غني معي همساً."
وغنينا همساً بقية الاغنية فيما كان دخان السيجارة يخرج من فمه وأنفه:
"أنا لا عندي لا أب ولا أم ولا أخ اشكيلو.. تاتا تا تم من حبك."
قلت مندهشاً وما يزال قلبي غائراً في الخوف:
"إذن كانا يعيشان هنا في هذه المدرسة في حي "القزازين؟"
"الا تعرف أنهما سوريان من جبل العرب!"
"ها أنا أعرف ذلك منك الآن يا زكي."
"وستعرف مني أشياء كثيرة.. أنت عاشرني وسأجعل منك رجلاً.."
"يا خوفي.."
الخوف لا يزال يعربد بقلبي ويهوي به إلى هوة سحيقة، ويجعل من ذلك الوقت المشبع بالشمس والإحساس بالحرية والعلو والفرادة مكبلاً بالقلق. كنت أعجب من شجاعة زكي وقوة قلبه، وكنت أراه مندفعاً نحو الأيام والسنين القادمة بجرأة وإقدام يحسد عليهما. كنت استمع إليه بشغف لا يخلو من نغصة القلق وهو يحكي عن أشياء كثيرة، عن حبه للتمرد والعصيان، ورسمه للسفر بعيداً عن المدرسة والأهل والناس والوطن إلى بلاد كان يصفها لي بأنها بعيدة.. أبعد من الدنيا نفسها.. وعن البنات الجميلات اللواتي جعلنه يحرص على الهرب من المدرسة قبل نصف ساعة من انتهاء الدوام ليتمكن من ملاقاة أسرابهن وهن منصرفات من مدارسهن.
"فكرة جهنمية من وزارة التربية والتعليم أن تصرف مدارس البنات قبل نصف ساعة من مدارس الصبيان."
"ولماذا؟"
"والله حوبة أنت يا طلال.. لكي لا يتلاقيا يا غبي. لكن هيهات للوزارة من أن تحرمني من متعة رؤيتهن.. الا تشعر بذلك السحر الذي يسري في جسدك عندما تراهن يسرن أمامك.. ولا سيما الجميلات منهن؟"
نسينا نفسينا وقد استسلمنا للصمت ودغدغت الشمس جسدينا فيما كنا ننفخ الأنفاس الأخيرة من سيجارتينا وقد تثبتت أعيننا على مشهد أساطيح بيوت دمشق القديمة وقد توسطها الجامع الأموي. خرق زكي هدنة الصمت الجميل قائلاً في صوت بدا لي وكأنه آت من الغد البعيد:
"جميلة دمشق القديمة.. أليس كذلك؟"
أجبته:
"أجمل الأوقات عندي هي تلك التي أقضيها في بيت جدتي في حي العقيبة."
يجيبني ساخراً:
"في بيت جدتك يا أهبل! حقا أنك لا تزال ولداً.. رح وعش تلك المدينة القديمة في الليل."
"في الليل!"
"نعم في الليل.. ليس هناك أجمل من ليلها الأسطوري وكأنه هارب من صفحات الف ليلة وليلة، ومن حاراتها الخالية عندما يسري بها الظلام ويسكن الهمس في كل أركانها.. كل شيء فيها جميل حتى رائحتها، وأنوار المقاهي التي تلمحها من بعيد وقد انبعث منها الغناء القديم ورائحة النراجيل وقرقراتها.
قلت لزكي مندهشاً، مستنكراً:
"وهل تجلس في القهاوي يا زكي؟"
"أجلس وأشرب الشاي والسجائر أيضا.."
"تجلس بين الرجال!"
"ولم لا أجلس بينهم؟ ألستُ رجلا مثلهم وعندي ما عندهم."
"لا.. يا زكي.. أنت لست رجلاً مثلهم.. نحن لا نزال صبية."
"أتريد أن اريك أنني لست صبياً مثلك؟"
وقبل أن أقول له (لا) همَّ زكي واقفاً وبلمح البصر دس يده في فتحة بنطاله المفكوكة الأزرار دائماً وأخرجه! في غمرة ذهولي مما رأيت عرفتُ أن صوت زكي الذي ثخن قبل صوتي النحيل، قد جعله فعلاً مثل الرجال. انتفضت واقفاً وكأني رأيت أفعى بقربي، وكنت أقول له فيما كنت أهرع خارج مكانه السري:
"الله يخرب بيتك يا زكي.. ما عندك عيب ولا حرام."
"أبقيتُ العيبَ والحرامَ في البيت عند أمي. أما الشارع فلا ينفع معه العيب والحرام. إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب."
قلت له باستياء:
"إذن تعال نخرج من هنا يا أحمق قبل أن يأكلنا المدير ويخرب بيتنا."
(٣)
أقبل المساء بكل ما فيه من أوتوماتيكية وجفاء، وتخلل ضوء مصباح شارع بغداد إلى شرفتي الضيقة التي حمل النسيم الخفيف رائحة شجرة الخميسة، المتعربشة على بوابة البناء. أعشق هدأة الليل وهو يسري بخطوه المتأني، عبر هدوء غير معهود في شارع بغداد، يحرّض على الإستسلام للتأمل. كنت استمع إلى إذاعة دمشق من راديو ترانزيستور صغير إلى أغنية "يا حبيبي تعال الحقني شوف اللي جرالي" لأسمهان.. كان الغناء ينبعث خفيضاً كأنه يهمس في اذني، وذلك ما ساعدني على أن اشرك صوت الشارع والمارة وحفيف الأشجار والأشياء من حولي، مع صوت الغناء الخفيض حتى بدت الأصوات كلها وكأنها فرقة واحدة يقودها الليل وسكينته.
عن بعد، من الرصيف الآخر العريض لشارع بغداد، المواجه لبنائنا، رأيت زكي يترنح ثقيل الخطوات محاولاً أن يمسك جسده. ناديته.. هذه المرة أنا الذي ناديته:
"زكي.. يا زكي.."
وعندما لم يسمعني ناديت ثانية: زكي..
فالتفتَ إليَّ، وكان مدركاً أن النداء لا يمكن- في هذا المكان بالذات- أن يصدر إلا مني. رأيته وهو يهم بالركض نحوي.. صرخت عالياً.. أحذر الشارع يا زكي.. وكأنه لتوه أدرك أن ثمة ما هو أهم من أن يلبي ندائي؛ إنه الشارع بسياراته الهوجاء.. وبلمحة بصر امتزجت صرختي الأخيرة: "إحذر.." بصوت كابح سيارة تكاد تلامس جسد زكي المترنح فرأيته يواري جسده عنها بمهارة مخمورة ويسرع خطاه نحو الرصيف الآخر. وصلت لعنات السائق إلى مسمعي لكنها لم تصل لمسامع زكي الذي بادرني بابتسامة مرعوبة صفراء وهو يقبل نحوي بشوق الملهوف.
"أجلس يا زكي.." قلت له بعدما أدخلته إلى منزلي وجلسنا في الشرفة، وغمرنا هدوء حلو تنبعث منه بقية من أغنية أسمهان، وصوت ملعقة تحرك الشاي في كوبين صغيرين مخصورين ومؤطرين بخطوط ذهبية. وضعت هدى صينية الشاي على التربيزة بيننا أنا وزكي.
"الحمد لله على سلامتك يا زكي.. كتبَ الله لك عمراً جديداً.
"ليته لم يكتب يا أخت هدى.."
"لا تكن متشائماً يا زكي.. خلي ثقتك كبيرة بالله.. هل تعشيت يا زكي؟"
أجابها بلهفة، وبصوت أثقلته الخمرة:
"لا.. لم أتعشَ.. لا تؤاخذيني أنا جائع."
"تكرم عينك.. عشر دقائق ويكون العشاء جاهزاً."
وجعلت أنظر إلى عيني زكي بحميمية وكأنه جزءٌ مني. كانت عيناه في عيني تستدعي ذكريات عله حسب أنني نسيتها. وعندما رأيت في بريق عينيه المخمورتين ذكرى بعينها حبيسة تنشد الإنطلاق قلت له:
"هل تذكر يا زكي أيام الشقاوة؟"
تجمد شريط الزمن في عينيه، ثم بغتة قال:
"أذكر كل شيء.. تلك هي الأشياء الوحيدة التي بقيت مني.. والباقي لا ينفع طعاماً للكلاب.."
كنت أريده أن يسافر معي إلى زماننا البعيد.. بعيد عن أي أشجان و أحزان أخرى، فبدأت أغني بصوت خفيض كالهمس، وراح يغني معي:
يا حبيبى تعالا الحقنى شوف اللى جرا" لى
من بعدك
سهرانه من وجدى بناجى خيالك
مين أدك
و انا كاتمه غرامى و غرامى هالكنى
ولا عندى لا اب ولا ام ولا عم أشكى له
"نار حبك
ورأيت دمعة تنهمر من عينه.