حول ندوة بيروتية عن سوريا

د. كمال خلف الطويل

تابعتُ، يوم 19 ديسمبر الفائت، ندوة بيروتية رعتها مجلة "الخندق" في مبنى "السفير"، استضافت فيها أسماء سورية عدة؛ وكان أكثر ما استوقفني بعض ما أتى على لسان اثنين منهم، هما الأستاذ محمد سيد رصاص والأستاذ عبد الرحمن الحاج.
أ. رصاص، في إطار حديثه عن التيارات السياسية السورية القائمة، قال بوجود تيار "أوجلاني" عابر للإثنيات والمذاهب، نادى بأمة ديموقراطية فوق/غير قومية في سوريا.
أسأل القائل: كم جدّي هذا القول، وهل أنت من رعاته، وهل تبنّيكم لمنصة "المركز الكردي للدراسات" منبراً لقلمك، صبّ في قناة انتمائك اليه؟.. فإن نعم، فكم واقعيٌ عندك اعتبار عرب سوريا [٩٠٪؜ من مواطنيها] لهذا التيار تعبيراً عنهم، بمثل ما عبّر عن كردهم؟.. وإن لا، فنعم بالله.
ثم أنك وسمتَ بعث العراق بأنه المسؤول عن الشقاق المذهبي هناك.. والحال أن طبعته الأولى/٦٣ كانت ذات غالبية شيعية، لكنها لم تفد في إطفاء جمر تحت الرماد، لطالما اتّخذ أشكالاً سياسية قبل ٨ شباط ٦٣ [الموقف من قاسم/عارف، وشيوعيين/قوميين، ووحدة/كيان خالد]، واتّسم بتململ شيعي بادٍ في الزمان العارفي وعبر العقد الأول من بعث/٦٨ ذو السمة السنية - الغالبة في القيادات فقط -، ثم ليتقيّح دمّلاً منذ شباط ٧٧ [حادثة خان النص]، ويتفجّر الدمّل مع ثورة الخميني/شباط ٧٩، وينسال في العمق والسعة منذ الحرب مع ايران، ويعصف إعصاراً في مارس ٩١، ويتسيّد منذ الاحتلال الأمريكي/نيسان ٢٠٠٣؛ ولتاريخه.
المسألة المذهبية سابقة للبعث ولاحقة له، وعلاقتها عضوية بفشل الدولة القطرية وغياب حيثيتها؛ أي ليس من "كيان خالد".
قلتَ ذات الشيء، وبعكس الاتجاه، عن بعث سوريا متهماً إياه بالتسبب في الشقاق المذهبي فيها منذ ٨ آذار ٦٣.. والحاصل أن لهاث "أقلّويي" اللجنة العسكرية البعثيين، وهم عمادها، على صعود سلّم الحكم - عندها ومذّاك - بدى نافراً لجموع السوريين، وبخاصةً العرب السنة - وهم ٧٠-٧٥٪؜ من المواطنين -، سيما وقد أتى على خلفية تخريبهم انطلاق الوحدة الثلاثية مع مصر والعراق {خلاصاً من عبد الناصر} - موعدها كان ٢٨ أيلول ٦٣ -، وتسريحهم الضباط الناصريين - وجلّهم عرب سنة، وهم فوق الألف عدداً، {دعك عن الانفصاليين، وهم من ذات القماش} -، لذا فما إن حلّت نهاية العام الأول لحكمه إلا وتداول الناس عملة "عدس".
ثم انضافت تأميمات ١/١/٦٥ القراقوشية لتقشّ لا ملكيات البورجوازية الكبيرة فقط بل وحصص الشرائح الوسطى بل والدنيا من البورجوازية المدينية، بسمتها العربية السنية؛ ما زاد من طين السخط على نهج ريفيين "أقلويين" بِلّة.
بعلم ذلك كله، لم يكف ما سبق لحفر الفالق المدمّى؛ بل لزمه انتقال الاخوان المسلمين من الحركية السلمية، قبل ٨ آذار، إلى تجريب العصيان المسلح، في نيسان ٦٤؛ فلمّا لم يؤت أكُلاً أول مرة عادوا اليه بزخم أكبر منذ شباط ٧٦، وبالأخص مع حزيران ٧٩، ومنذه.
افترضَ المرء ألا يكون قد غاب عن الاخوان [طليعة وتنظيم عام]؛ والذين رضوا - وإن بالمبتغى فحسب - بنهجهم من علمانيين وتغريبيين وشيوعيين نيوليبراليين وحتى قوميين.. غاب أن اللجوء إلى السلاح عنى:
١- حرب أهلية دموية. ٢- استحضار الخارج نصرةً، فأضحى الممسك بالزمام؛ لكنه غاب.. وعاد الى الغياب بزخم أكبر منذ ربيع ٢٠١١، وإن بمسحة سلفية غالبة هذه المرة، ومنصورةً بعلمانيين وتغريبيين وشيوعيين نيوليبراليين وبورجوازيين…. لذا، فالأدق القول أن الفتنة المذهبية هي نتاج اجتماع عاملين: عسكر "أقلوي" متسرّع ثم قابض، و'اخوان و/أو سلفينون' صفريوا العزم. والأهم من هذا وذاك فشل الدولة القطرية وانعدام صلاحيتها.
مضيتَ لتشير أن سبب نكوص ترامب عن إسناد أوكرانيا حربياً سعيه لمقايضةٍ مع روسيا؛ هي تعطيه سوريا خالصة لقاء أخذها أوكرانيا، بل وشبّهت ذلك بمسعاه لتفريق الصين عن روسيا. عندي أن أطروحات كتلك بليت؛ لا ترامب بقادر على تفريق الأوراسيتين، وفحوى مسعاه في أوكرانيا محاولة تخفّفٍ من رهان فشل بامتياز، معطوفةً على استنعاجه أوروبا لحدّ انصياعٍ خانع، وعلى كسب نقاط استثمارية في وحول روسيا، ولكن معها؛ وهي الزاخرة بكل ما يفيد. وعلى كلٍ، لم تنجلي الأمور هناك؛ فبقايا الدولة العميقة لا ترى بعدُ رأيه في الحل (كلام تالسي جيبارد اليوم شاهد).
وكم كرّرتَ في الندوة، ولسنوات قبلها على الورق، أطروحة أن الحرب السورية كونية-إقليمية في الأساس. وبصرف النظر عن صحة المقولة من تزيّدها، أليس في ذلك انتقاص من مقدار وعقل معارضات راحت إلى آخر الشوط، منذ ٢٠١٢، دونما اكتراث بتحولها إلى أدوات خارج؟
آخر ما عندي، حول مساهمة أ. رصاص، استغرابي لاستمرار حديثه عن "٢٢٥٤"؛ ما خلاص!!
أما عن مساهمة أ. الحاج، وهو مسؤول "الذاكرة السورية"، فقد أخطأت في:
١- تحديدك عام ١٩٦٥ تاريخاً لبدء التسريحات الواسعة في الجيش؛ وبدءاً، فتسريحات ٥٨ & ٦١ لم تزد، في مجملها، عن أقل من ٢٠٠ ضابط؛ التاريخ الفعلي هو منذ ٨ آذار ٦٣:
أولاً، الانفصاليون - يمينيون وأكرميون وشيوعيون وإخوان - وهم بضعة مئات..
وثانياً، ومنذ ٢٠ نيسان ٦٣، قرابة ألف ضابط ناصري، وبعروتهم عشرات الضباط "الحريريين"..
وثالثاً، (ما بين ٢٣ شباط و ٨ أيلول ٦٦، ثم صيف ٦٨) بضعة مئات من الضباط البعثيين (قوميون ودروز وحوارنة)..
معظم هؤلاء الضباط كانوا من أكثرية العرب السنة، لكن تسريحهم - كما من قبل - كان على أسس سياسية، وليس طائفية/مذهبية. وحتى استدعاء ضباط الاحتياط البعثيين للعمل ضباطاً عاملين، منذ ٨ آذار ٦٣، فكان على أسس سياسية أيضاً، وحقيقةُ أن نسبة كبيرة منهم كانت من مذاهب غير سنية لا تغيّر من الأمر شيئاً.
٢- قولكَ أن نسبة العلويين السكانية هي ٥-٨٪؜… والحال أن ليس من مرجع عربي أو إنجليزي معتبر إلا وذكر النسبة بأنها ١٠-١٣٪؜.. أظنك خلطتَ بين العلويين والكرد (٦٪؜).
٣- حديثكَ عما دعيتَه "علونة الجيش"، مؤرِّخاً إياها بانقلاب ٧٠، أبان ضعف إلمامك، وأنت صاحب "الذاكرة"، بفترة ٦٧-٧٣ الفاصلة بين الهزيمة و"تشرين"… كانت تلك فترة ضعُف فيها التنافر المذهبي لصالح القاسم المشترك الأعلى؛ الوطني والعروبي… فُتحت أبواب الكليات العسكرية على مصاريعها دون تمييز، وتدافع الشباب للتسجيل فيها، وأعيد إلى الخدمة ضباطٌ مسرحون، سيما في سلاح الجو، وكان معظم قادة الفرق - حتى ربيع ٧٣ - غير بعثيين (صباح الأتاسي وأديب الأمير وبدر رمضان وعمر الأبرش).
ثم لاحظ أن عبد الرحمن خليفاوي وناجي جميل وعلي ظاظا وعلي المدني وحكمت الشهابي وعدنان دباغ ومحمود عزام وناصر ناصر، وحتى مصطفى طلاس، كانوا من أعمدة الانقلاب وعهده، وهم ليسوا بنكرات.
حديثك عن "العلونة" جاز عن فترة ٨٢ فما بعد، مع خفوتٍ أثناء عشرية الأسد-٢ الأولى، ثم ارتفاع حاد لها طيلة عشريته الثانية (جزئياً بسبب انفكاك ٧٠٠٠ ضابط سني عن الخدمة خلالها).
لعل الندوة واحدة من مراسي حوارات مطلوبة لا توفّر مسألةً إلا وتناولتها؛ فما أشد الحاجة إلى فهم سديد للماضي توخّى سردية أمينة وموضوعية له… وما الماضي سوى نبراسٍ لحاضر وكشّافٍ لقادم؛ أليس كذلك؟
21 ديسمبر 2025