في حوار معه في أكاديمية الثقافة.. محمود الريماوي: أنا صحافي في النهار وأديب في الليل
أمينة عباس - فينكس
استضافت أكاديمية دار الثقافة الصحفي والأديب الفلسطيني محمود الريماوي ضمن حوار مفتوح معه للحديث عن مسيرته الطويلة في عالم الصحافة والأدب، وذلك خلال زيارته التي قام بها مؤخراً لدمشق بعد غياب عنها دام نحو خمسين عاماً. وحز في نفسه كثيراً أن يزور مخيم اليرموك – مقر الأكاديمية – ويرى الدمار والخراب فيه بعد أن كان واجهة حضارية وثقافية واجتماعية في دمشق: "ما يعزيني أن الحياة تعود إليه شيئاً فشيئاً، وهذا يثبت أن الشعب الفلسطيني شعب حي وجبار، يبني ويقاتل في نفس الوقت، ويرتبط بوطنه والمخيم".
من أهم القصاصين العرب
قدم للقاء الكاتب والروائي حسن حميد، الذي سبق وأن تعرف على الريماوي حين كان يدير جريدة السجل في عمان، كما كتب عن مجموعته القصصية الأخيرة 'الليلة قبل الأخيرة'، واصفاً الريماوي: "من أهم القصاصين العرب، يعرف أن النص الأدبي لعبة، وعلى الكاتب أن يتبارى مع زميله لبذل مجهود كبير، وعلى القارئ أن يجتهد لمعرفة بنية النص. وقد كان الريماوي في منتهى الذكاء في كتابة القصة؛ يكتب قصة فنية بجمالية عالية دون أحداث، ولكنها تنتمي لفن القصة، وهي براعة أتقنها كثيراً".
مسيرة طويلة وغنية
لم يكن من السهل على الريماوي اختصار مسيرة طويلة وغنية في مجال الكتابة الصحفية والإبداعية، إلا أنه حاول أن يفعل ذلك، وكانت البداية من خلال عودته لمرحلة الطفولة وحديثه عن مدينة أريحا الجميلة التي تلقى فيها تعليمه: "في أريحا المدينة الخضراء الجميلة، ومن خلال المخيمات التي كانت تضمها، ومن خلال عمل والدي في وكالة الغوث "الإونروا"، تلمست آثار النكبة. وفي مدرستي تعرفت على اللاجئين الذين كانوا من المتفوقين، وتخرج منها أدباء مثل جمال ناجي، رشاد أبو شاور، أحمد لافي. وفي هذه المدرسة كانت المكتبة المكان المفضل لي، ففيها تعرفت على نجيب محفوظ وجبران خليل جبران وغيرهم من الأدباء والكتاب".
من الخواطر نحو القصة القصيرة
في أريحا تفتحت موهبة الريماوي مبكراً على قراءة ومتابعة الصحف التي كانت تصدر حينها، والفضل يعود كما يوضح لوالده الذي اعتاد أن يحضرها إلى البيت، فكانت تغري الطفل الصغير على تصفحها. وحين لم تعد هذه الصحف التي كان يحضرها والده تسد رغبته، امتد شغفه لمتابعة صحف أخرى كانت تصدر في المساء. وسرعان ما تحول فيها من مجرد قارئ إلى كاتب للخواطر في زاوية القراء فيها، وهو لم يزل في المرحلة الابتدائية. وعلى صفحات صحيفة "عمّان المساء"، والتي كان يشرف على صفحة القرّاء فيها ناصر جميل شاكر، تعرف من خلال الكتابة إلى الروائي يحيى يخلف، الذي كان ينشر في الزاوية نفسها. وبعد فترة من الكتابة فيها، تواصل معه الكاتب خليل السواحري مشيداً بكتاباته، ناصحاً إياه - وكان حينها في المرحلة الإعدادية - بالابتعاد عن كتابة الخواطر التي لا جنس لها، والاتجاه نحو كتابة القصة القصيرة، وهو ما فعله الريماوي فنشر أول قصة كتبها في صفحة "نادي القصة" في جريدة "المنار" التي كان يشرف عليها السواحري، الذي انتقد قصته بشدة كبيرة، وقد تقبل هذا النقد الريماوي بكل طيب خاطر.
مرارة اللجوء
في عام 1967 نزح الريماوي إلى الأردن مع عائلته، وكانت مرحلة فاصلة في حياته على صعيد الارتباط بالقضية، حيث اختبر مرارة اللجوء بنفسه. وكان قبل ذلك قد تعرف على كل المجلات الأدبية التي كانت تصدر في تلك الفترة مثل "الأداب"، التي تعرف من خلالها على أدب المقاومة عبر ما كان ينشره غسان كنفاني، وكذلك على موجة الحداثة التي كانت تشهدها الساحة الأدبية حينها في منتصف الستينيات، رداً على الشكل التقليدي في الأدب، والتي تركت أثرها على القصة التي كان يكتبها: "تقطيعات، فلاشات، اللغة الشعرية والعناية المفرطة باللغة".
مع غسان كنفاني
بعد عمان توجه الريماوي إلى بيروت للدراسة في جامعة بيروت العربية - قسم اللغة العربية - وأثناء ذلك تعرف على غسان كنفاني الذي كان مدير جريدة "الأنوار"، وفي ملحقها بدأ الريماوي ينشر كتاباته التي أعجب بها كنفاني، الذي دعاه بعد سنة كاملة من الكتابة فيه لأن يكون محرراً ثقافياً في مجلة "الهدف" التي ترأس تحريرها: "ترك غسان كنفاني صحيفة الأنوار على الرغم من كل المغيرات، وترأس تحرير مجلة الهدف من أجل فلسطين والقضية. وقد منحتني دعوته للعمل فيها ثقة كبيرة بنفسي وأنا ما زلت في أوائل العشرين من عمري. كان كنفاني شخصاً نشيطاً ومنظماً وديمقراطياً، لا يتدخل في كتاباتي والموضوعات التي اختارها، فكنت أختار موضوعاتي بحرية دون توجيه منه أو ملاحظة". مشيراً في حديثه إلى أن الصحافة أصبحت مهنته، حيث تنقل بالعمل فيها بين بيروت ومصر والكويت وعمّان، وهكذا تابع مسيرته: "صحافي في النهار وأديب في الليل".
أخذت منها أفضل الأشياء
وينوه الريماوي، وهو يتناول مسيرته في بلاط صاحبة الجلالة، أن أدباء كثر اشتغلوا في الصحافة التي كانت رافداً مهماً للأدب: "أخذت منها أفضل الأشياء، وأعتقد أنني نجحت في الفصل بين الكتابة الصحفية والكتابة الأدبية، وإن كانت اللغة هي القاسم المشترك بينهما. لقد جعلتني الصحافة أتعلم أن أكتب للقارئ الموجود، والتخفيف من اللغة الشعرية. وكقاص أرى أن كل كاتب قائم بذاته، وأنا لا أشعر بمنافسة مع أحد، مع أني معجب بكثيرين منهم: جمال أبو حمدان، جمال ناجي، سعود قبيلات".
الروائي
بدا واضحاً من كلام الريماوي أنه حين كتب روايته الأولى لم يكن ذلك عن سابق إصرار وتصميم: "كنت في صدد كتابة قصة لكنها لم تتسع لما أريد قوله، فتحولت لرواية 'من يؤنس السيدة'، تبعتها برواية 'حلم حقيقي'". دون أن ينكر الريماوي أن العمل في الصحافة وحاجة الرواية إلى الوقت الطويل جعلته مقلاً نوعاً ما في كتابة الرواية: "من الصعب جداً علي التفرغ للكتابة الإبداعية، وأنا مواطن عربي يعاني أزمات مجتمعه، وصحفي يعيش على متابعة الأخبار لأعرف ما يدور حولي".
أخاطب الإنسان أينما وجد
ويبين الريماوي أن كتاباته الإبداعية ذات توجه إنساني: "عندما أكتب لا أضع أمامي قارئاً معيناً، أخاطب الإنسان أينما وجد، ولكن هناك تيمات تعكس حسي الفلسطيني. في الأدب الفلسطيني يجب أن يكون هناك تنوع في الكتابة". مؤكداً إلى أن ما حدث ويحدث في غزة ملحمة تراجيدية كبرى، سيكون أثرها كبيراً في الكتابة الإبداعية: "لا أستطيع أن أكتب عن غزة الآن لأن الوجع كبير، وما حدث يفوق الخيال".
محمود الريماوي
وُلد عام 1948 في بيت ريما بقضاء رام الله. عمل في الكويت محرراً وكاتباً وسكرتيراً للتحرير في صحيفة «الوطن»، ثم في الأردن كاتباً لمقال يومي في صحيفة الرأي، وترأس قسمها الثقافي، وأشرف على صفحات المقالات فيها لعدة أعوام. ترأس تحرير صحيفة «السجل» الأسبوعية الأردنية منذ صدورها عام 2007 حتى توقفها عام 2009. وهو يرأس تحرير الصحيفة الثقافية الإلكترونية «قاب قوسين»، التي أسسها بنفسه، وبدأت بالصدور 2010. في رصيده عدد كبير من المجموعات القصصية، تُرجمت مختارات منها إلى عدة لغات. آخر مجموعة أصدرها حملت عنوان "الليلة قبل الأخيرة". وصلت روايته "من يؤنس السيدة" للقائمة الطويلة لجائزة البوكر سنة 2010، في حين صنفت جائزة كيودي روايته "حلم حقيقي" عام 2013 بين أهم 30 كتاباً عربياً إبداعياً. نال العديد من الجوائز مثل: جائزة فلسطين للقصة القصيرة (1997) عن مجموعته القصصية "القطار"، وجائزة عرار للإبداع الأدبي لعام 2025 في حقل القصة القصيرة.