الذهب العتيق.. آخر العنقود

صباح حواصلي

أختي ندى آخر العنقود، وأول ولادة وعتها ذاكرتي. قدومها حقق العدل في تساوى عدد الإناث مع عدد الذكور في أسرتنا؛ ثلاثة صبيان: (صباح، وماجد، ورسلان)، وثلاث بنات (منية، وسحر، وأخيرا ندى.) بالأكبر: منية، سحر، صباح، ماجد، رسلان، ثم ندى.
كان هذا اليوم ١٤ أيلول سنة ١٩٥٥، اليوم الذي بدأ فضولي يتلمس جواباً لسؤال شغل ولا يزال يشغل الأطفال: "كيف نأتي إلى الحياة"، وسمعت بأذنيّ أن مجيئنا إلى هذه الدنيا يكون مصحوباً بالألم: ألم الولادة وألم الوليد الذي يأتي باكياً. لكن بقي أنني لم أفهم كيف أتينا؟! يتلقى الأطفال إجابات مضللة.. ويبدو للمجيب أن لا خيار له إلا أن تكون إجابته مضللة.
كانت أمي حينها محجوبة عنا خلف باب غرفة نومها، وقد نبهتنا الخالة خالدية ألا ندخل غرفتها وألا نُحدث ضوضاء. (آه يا خالة خالدية، كيف نحدث ضوضاء ونحن غارقون في الحزن على أمنا التي تصرخ من شدة الألم!) ولعل ما فاقم قلقنا على أمنا أننا مُنعنا من دخول غرفتها وكأنه ليس من حقنا أن نكون إلى جانبها وهي تتألم!
لا أذكر إن كان الوقت هو الصباح الباكر، أو المساء قبل أن نخلد إلى النوم.. وثمة أشتات من صورة قديمة لملامح المكان في ذاكرتي يعوزها الترميم: تتلامح لي غرفة نوم والديّ المغلقة، وزجاج باب غرفتهما المحجّر المضيء، والمكان خيم عليه خشوع متأهب هادئ إلا من أنات أمي بين الحين والآخر، وكأن الالم نواة وأصل الخشوع. كنت قد شعرت أن الحركة في البيت مريبة غير التي ألفتها كل يوم.. وأن أمي التي كنت أرى بطنها كبيراً ستلد اليوم رضيعاً صغيراً.
"ماذا تريد صبياً أم بنتاً؟" تلك كانت كلمات أبي الطبيب قبل أن يصبح مشغولا بأمي، ويغلق أبي الباب وراءه. سكنتْ أناتُ أمي ذاكرتي، أما صرختها الأخيرة الأكثر إلاماً، الممتدة خلال لحظات الخروج فقد نُقشتْ على جدار ذاكرتي، فتلفتنا نحن الإخوة إلى بعضنا في دهشة مبتسمين:
"البوبو!"
خرج أبي من الغرفة المغلقة..
"أجاكم أخت.. اسمها ندى." قال أبي فيما كان يتوجه إلى الحمام ليغسل يديه ويغير ثيابه، وأنا أسأل نفسي مغتبطاً: أيولد البوبو ومعه اسمه؟
هرعنا إلى أمنا، ورأينا إلى جانبها اختنا الصغيرة، ندى. وتأملناها بفضول وذهول، وأخرجتْ الخالة خالدية أشياء من الغرفة، وعرفنا أن المولودة جاءت باكية ومن دون اسم وأن أبي الذي اسماها ندى ولم تخرج ومعها اسمها.
تأملتها.. كانت حلوة كالحلوى، لونها وردي كالزهور، وعيناها مغمضتين مثل ملاك الحكايات العذراء التي لم تُحكَ بعد.. فرحتُ أيضاً لكونها أنثى لأن غرفتنا نحن الأخوة الصبيان لا تتسع لأربعة ذكور. كنا متحلقين حول أمنا وندى إلى جانبها، وأمنا تتأملها ونحن نتأملها دون أن نجرؤ أن نلمسها.. وقد قرأت أمنا عيوننا.. وقالت لنا: ألمسوا بشرتها أترون كم هي ناعمة كالمخمل.
ومع الأيام، أصبحت ندى لعبتنا نحن الصغار، سعيد الحظ من تسمح له أمنا بحملها، وصار في البيت بكاء، ودخلت إلى قاموسنا جُملٌ جديدة نرددها ونسمعها: "ماما.. ندى عم تبكي."، و"لا تعيطو.. ندى نائمة.."، وأصبح الهدوء مطلباً لا هوادة فيه كي لا نوقظ ندى، وأنكمشت أوقات لعبنا في البيت، وكثر صعودنا إلى بيتنا الخشبي في السطح لنوفر الهدوء للأميرة النائمة.
عبرتُ وإخوتي درب الزمن لنرى أختنا ندى تكبر معنا: رأيناها رضيعة، وطفلة، وانخلعت قلوبنا ذعراً عليها يوم صدمتها سيارة وهي في السادسة من عمرها في شارع بغداد، ورأيناها من عداد التلميذات المجتهدات في مدرسة (ذات النطاقين)، وفتاة متعددة المواهب، ثم عروساً ثم زوجه، ثم جارة تسكن بجوار بيتنا، ثم أماً ثم جدّة! ومن الصور التي لا تبرح خيالي عن أختي الحبيبة ندى: زيارتها التي تكاد أن تكون يومية لأمها.. تمشي متريضة من بيتها القريب من مشفى الشامي إلى بيت أمنا في شارع بغداد.. وترحيبها البهيج بأمها الذي يسبق ترحب أمها بها.. وعناقها لها وقبلاتها وكأن الشوق لا تنطفئ جذوته في عطفيها. وابتسامتها دائمة الإشراق التي أراها تزهو في وجهها كله: في حديثها وفي شفتيها وعينيها ولونيهما وبشرتها وخديها وصوتها.. وحتى في مشيتها الشيء الكثير من ابتسامتها. والطاقة الإيجابية في داخلها لا تنضب.. وباب الأمل لم أره مغلقاً يوماً في حديثها.
آه منك يا ندى! وماذا أيضاً عن خصالك التي تسمو بالمحبة إلى أعلى المراتب، وتجعل من الدنيا أملا يجب أن نعمل من أجل بلوغه.