من دمشق؟
محمد صباح الحواصلي
كنت خارجاً من محل تجليد الكتب مواجه ثانوية جودت الهاشمي، بعدما استلمت أربعة كتب مجلدة تجليداً إفرنجياً، لون أسود، وعلى كعب كل واحد منها كتابة مذهبة: في أعلى الكعب اسم الكتاب: المذكرات، ثم يليه رقم الجزء، وفي منتصفه اسم المؤلف: محمد كرد علي، وفي أسفل الكعب اسمي. وضع صاحب المحل المجلدات في كيس نايلون متين وأمسكني مقبضيه، وقال لي:
"بأمان الله أستاذ صباح.."
"خاطرك أبا معروف.."
وفيما كنت متجهاً نحو شارع ميسلون، صادفت على الرصيف، وجهاً لوجه، الأديب عادل أبو شنب. لم أكن أعرفه شخصياً، لكن قرأت له: (عالم ولكنه صغير، قصص؛ زهرة استوائية في القطب، قصص؛ كان ياما كان)، كان تلاقينا عفوياً على الرصيف، التقت عيوننا ببعضها وتبعتها ابتسامة عفوية ظهرت على وجهينا.. والطريف أننا توقفنا وسلمنا على بعضنا دون سابق معرفة. بادرته:
"الأستاذ عادل أبو شنب.. سعيد لرؤيتك."
"أهلا.."
كان يرتدي بدلة كحلية مقلمة بخطوط باهتة، مع صدرية وربطة عنق على قميص أبيض؛ أناقة شامية تليق بطولة ونحوله شدّتني إلى عقد الخمسينيات والستينيات، وذكرتني بالأستاذ عبد الرؤوف جبري مدير مدرستي الإبتدائية، والشاعر أنور العطار، والدكتور شكري فيصل، والروائي وليد حجار، وبشكل خاص والدي الدكتور أحمد قدري الحواصلي، وصهري رجل الأعمال بشير سلطان.
هي كلمات قليلة دارت بيننا، بقي في ذهني منها سؤاله:
"من دمشق؟"
قلت له: "من دمشق.."
رفع حاجبيه لما بدا لي استجابة لشعور القرب والاستئناس، ورغبت أن أضفي المزيد عن المكان الدمشقي الذي انتمي إليه بدافع شعور مريح بيني وبين أديب أصادفه يُطلق عليه (حكواتي الشام):
"خانتي: عمارة شطي 46، عند مقهى العمارة الذي شهد ظهور آخر حكاواتي بدمشق."
ابتسم.. ولم أسأله: وأنت من أين؟ لأنني أعرف أنه من حي القيمرية، حيث ولد ونشأ سنة 1931 لأب حجازي وأم دمشقية.. وقبل أن ينتهي لقاؤنا القصير.. سألني:
"شو الاسم الكريم؟"
"صباح الحواصلي.."
"بيت الحواصلي.. والنعم.. من ساروجة مو هيك؟"
"من العقيبة.. العقيبة وساروجة واحد.. "
قال لي: "سهام ترجمان من ساروجة.."
وقلت له: "وزكريا تامر من العقيبة. وياسين رفاعية."
ثم افترقنا.
تابعت طريقي نحو شارع ميسلون، وكنت أشعر بغبطة، وكان مفهوم (المكان) يعرض في ذهني خصوصيته ومكانته الجاذبة.. تتردد إلى خاطري أمكنة شامية مرتبطة بكلينا: عمارة شطي خانة 46، والقيمرية، والعقيبة، وساروجة، وشارع بغداد، وقفا الدور، وحكواتي العمارة في شارع الملك فيصل.. ومآذن وقبب تلك الأمكنة.. وتقترب مني تلك الأحياء والشوارع وتتحلق حولي مع استدعائي لسؤاله:
"أنت من دمشق؟".