أسامة أنور عكاشة ومصر
اسماعيل مروة
عندما زرت مصر أول مرة كان الكاتب الراحل الكبير أسامة أنور عكاشة في القمة بكل شيء، "الشهد والدموع"، "ليالي الحلمية"، "الراية بيضا"، "النوة"، "امرأة من زمن الحب"، "أرابيسك"، وغيرها كثير.. حصلت على هاتفه من سنترال الأهرام، طلبته، وحين جاءني صوته أغلقت الهاتف رهبة، لأجده يعاود الاتصال في اللحظة ذاتها، عرفته باسمي فبادرني: "حضرتك ليك مجموعة (قهوة بلا سكر)"، فقلت: "نعم"، فقال الكبير: "اشتريتها اليوم من مكتبة السلام، يا للمصادفة، سأقرؤك لنلتقي غدا في الخامسة في التريانون، سور نادي الزمالك".. ولو لم يكن لدي كتاب سيلتقي بي، لكنه أحب أن يجعلني ندا..
التقينا، وبعد جلسة قصيرة صحبني أسامة إلى بيته طريق مصر اسكندرية صحراوي، وفي عمارته المخرج الكبير محمد فاضل.. انعقدت صداقة، يدعوني إلى القاهرة فأنعم بصحبته، ويأتي إلى دمشق فيتفقدني، وكان يناديني دوما: "أبو السباع".
حين عرض مسرحيته "الناس اللي في التالت" على المسرح القومي، أخبرني، فسافرت إلى القاهرة في اليوم نفسه لأحضر افتتاحها ورؤية العملاقة سميحة أيوب رحمها الله، وكان أسامة في المطار على الرغم من تورم قدميه ومرضه... استكتبت أخي أسامة لمنابر في سورية، ففعل وكتب أجمل مايكون..
كتبه وإهداءاته وذكرياته لاتمحى..
أسامة في القمة وأنا الشاب المبتدئ، وكان بلطف مصر وحبها أكثر من رائع، في الوقت الذي لم أكن أتمكن من الجلوس لبعض كتاب المقالات الذين لا يعرفهم أحد في سورية وأماكن أخرى.. وبالمناسبة قمت استجابة لطلب صديق دكتور بإيصال أمانة لابطلب خاص لي إلى أحدهم وهو بعمر أولادي لأوصل الأمانة في دمشق، وانتظرت نصف ساعة وسكرتيره يسأل: "من أنت؟ شو بتشتغل؟"، وأنا أجيبه ومقتنع بأنني مجهول جدا، ولم يتمكن حضرته من رؤيتي لمشاغله، وأخذ سكرتيره هاتفي وبعد شهور لم يتصل، وبعدها أنكر أنني زرته، وأنا الستيني صاحب الأثر الذي ليس بإمكانه نكرانه!
وهذا الأمر ليس حالة فردية لدينا!
إنها مصر والنيل، فلنتعلم كيف نكبر ونحن نستند إلى جذور راسخة..
رحمك الله أستاذ أسامة، وقد وقفت عند ذكرياتك في كتابي (الأيام كما عشتها)... يسألني بعضهم عن سر مصر، فأقول الجذور القوية والطيبة والثقة. بالنفس.. ربما أشياء لا أعرفها، وأنت العملاق الذي ترد على هاتف مجهول لتحترمه وترتفع درجات في سلم الإنسانية والاحترام والأدب..
طبت في رقدتك، وليتعلم الآخرون معنى أن يكونوا قامات.. الحب لك ولمصريتك وفكرك وصداقتك التي فتحت لي آفاق مصر.. فهل في غير مصر نجد هذه القماشة النادرة؟!
الصورة في بيت الأستاذ أسامة.