الأستاذ رؤوف جبري

محمد صباح الحواصلي
مجموعة (والله زمان يا شام)
قالت فريال:
"سقى الله تلك الأيام.."
وذكَّرتني بطريقنا إلى بلودان - أنا وهي وحكمت العسلي وزوجه هالة - قال لي حكمت يومها مداعباً، بعدما رآني أحمل كتابي "منمنمات على جدران دمشق القديمة":
"أبو أحمد.. هل جلبت كتابك (المنمنمات) معك لكي تقرأه مرة ثانية؟"
ابتسمتُ وابتسمَ، وأجبته:
"أريد أن أهديه لأستاذي عبد الرؤوف جبري.. إنه مقيم في بلودان.."
"هل أنت على موعد معه؟"
"لا.."
"منذ متى رأيته آخر مرّة؟"
"منذ أن أنهيت مرحلة الدراسة الإبتدائية عام ١٩٦٢"
هتف متعجباً:
"منذ عام ٦٢!"
ثم تابع:
"إذن الاحتمال ضعيف أن يكون على قيد الحياة.."
"لا قدّر الله. سأحاول.. فهواء بلودان يطيل الأعمار.. ويهب الأمل ."
"أو ربما ترى أولاده أو أحفاده.."
قلت:
"كان عزباً هو وأخوه شفيق جبري.."
ثم سألني:
"هل تعرف عنوانه؟"
"لا.." ثم تابعت: "نسأل.."
وسار بنا حكمت في سيارته عبر الطريق الذاهب إلى سهل الزبداني وهضبة بلودان، وخلال الطريق تقفينا متأملين ملامح لا تمحى من ذاكرة الطفولة والصبا، وتحدثنا عن روح المكان في نفوس أهل الشام، وحنينهم لمطارح أيام زمان، وعن تفاح الزبداني، وحدثتهم عن تخيمنا ونحن صبية في مرتفع (أبو زاد) عند مشارف شجر الكرز الأحمر، وعن برودة هواء بلودان أيام الصيف، وعن محمد عبد الوهاب، وقصائد نزار، وشفيق جبري شاعر الشام، وعن رجائي بأن يكون أستاذي عبد الرؤوف جبري حيّاً. وعندما وصلنا الزبداني حدثنا حكمت عن والده - عديلي - فيصل العسلي نائب الزبداني وعن محنته مع حسني الزعيم، وحدثته عن مؤتمر بلودان الذي جمع الحكام العرب سنة ١٩٣٧، والذي تمخض عن تأسيس جامعة الدول العربية.. وذكرتْ فريال زيارة إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني مع زوجه إلى بلودان منذ مئة سنة وإعجابهما بجمال بلودان وطبيعتها وهوائها وينابيعها . ووقفنا في الطريق مع النسمات المنعشة أمام بسطة كرز وصوت فيروز من مسجلة السيارة، وأشترينا كرزاً، وأكلنا منه في الفلاة، وتابعنا السير ثم استأنفت كلامي:
"لنقف عند أقرب دكان لأسأل عن بيت الأستاذ رؤوف.."
"أما تزال مصراً على أنك ستجده بعد هذه السنين الطويلة."
صمتُّ، ثم نزلت عند أقرب دكان، وسألت:
"منزل الأستاذ رؤوف جبري يا عم؟"
لم يتفكر البائع العجوز أو يُعمل ذهنه؛ فالأستاذ رؤوف ومن قبله شقيقه شاعر الشام شفيق جبري أشهر من نار على علم في بلودان، وقال لي البائع من هنا الطريق إلى بيته، وعدت إلى السيارة، وقلت لحكمت:
"من هنا الطريق إلى بيته.. ليس بعيداً."
وصلت إلى البيت ذي المدخل الحجري. قلت لهم:
"لن أطيل المكوث. بإمكانكم أن تعودوا بعد نصف ساعة بالكثير."
وقرعت الباب وكأني أقرع باب زمن مهجور، وبيدي كتابي المنمنمات، وفي عطفيّ شوق اللقاء، ووجل من غائلة الزمن، وقلت في سري يجب أن يكون الأستاذ رؤوف حياً، فأنا لا أريد للماضي الذي يصلني به أن ينقضي. إذا لقيته - قلت في سري أيضاً- سأعرفه لكنه لن يعرفني، وعبرتْ فترة صمت، ثم باغتني يأس بدَّدَتْه خطواتٌ بطيئة تعبر سكون المكان وطنين نحلة ورائحة نبتة مغمورة في الظل والرطوبة. صدح صوت مزلاج الباب، وانفتح الباب على وجهٍ تمكنت لتوي أن أسترجع ملامحه القديمة حينما كان في مستهل الكهولة بشعره الكثيف ونظارته الداكنة، ونظرته الصارمة، وحدبة ظهره الوقورة. عبرنا ثواني الصمت الأولى، ثم بعد السلام ذكرته بنفسي:
"تلميذكم صباح الحواصلي في ابتدائية الوليد بن عبد الملك.."
شملتني عيناه بتوق لا ينجاب وهو يستعيد اسمي: "صباح وماجد الحواصلي! تفضل يا صباح.." سرت خلف خطوه البطيء، وجلسنا في غرفة غافية، وقد تحلق أثاثها حولي مرحباً.. وبعد السؤال عن صحته، وعودتنا لأيام زمان عندما كان مديراً لمدرستي في شارع بغداد، وشقاوتنا، ومرورنا بأسماء الكثير من تلاميذ تلك المرحلة وأساتذتها، قلت له:
"أنا سعيد جداً لرؤيتك قبل سفري القريب إلى الولايات المتحدة.."
وقدمت له كتابي (المنمنمات)، وقال وهو يتصفحة بغبطة واضحة:
"قصص قصيرة من روح دمشق.. هذا رائع.. وجميل أن يكون بين تلاميذي أديب قاص.."
وقام، ودخل غرفة أخرى وعاد بكتاب عن التربية والتعليم من تأليفه وأهداه لي، وشربت قهوتي، ثم صافحته مودعاً، وسرت مع خطوه الوئيد إلى الباب الخارجي، وودعته على أمل اللقاء في القريب. وجاء القريب وصار القريب بعيداً ولم نلتقِ، ثم علمتُ بوفاته، وبمقاله عن كتابي "المنمنمات" في مجلة الثقافة التي كان يصدرها في دمشق مدحة عكاش.
السبت ٩ نيسان ٢٠١٦

كافنغتون، واشنطن