شيءٌ من الحنين.. عن الأستاذ سعيد الأفغاني
محسن سلامة
كان الأستاذ سعيد الأفغانيّ (الصورة) رحمه اللّه يعلّمنا مادّة النحو، وكان يُطلَق عليه شيخ النحّاة في بلاد الشام، كان يتشدّد أثناء التصحيح يقف عند أوّل غلط يرتكبه الطالب، وقد لا يُكمل التصحيح.
عام ١٩٧٠م امتحان الدورة الأولى في حزيران، قال في السؤال الأوّل: أعرب ما تحته خطّ إعراباً كاملا:.
وَعاذلةٍ قامَتْ عليَّ، تَلُومُنِي.....
أجبتُ بكلّ شغف وسرور:
الواو واو ربّ، ربَّ حرف جرّ شبيه بالزائد
عاذلةٍ: صفة لموصوف محذوف، التقدير: وفتاةٍ عاذلةٍ، عاذلةٍ صفة مجرورة وعلامة جرّها الكسرة الظاهرة.
وخرجتُ من الامتحان بخيلاء،
فجأة سمعتُ طالباً خرج قبلي يقول:
واو ربّ، عاذلةٍ: اسم مجرور لفظاً، ب ربّ حرف الجرّ الشبيه بالزائد المحذوف، مرفوع محلّاً على أنّه مبتدأ.
دارت بي الأرض وغبتُ عن الوجود تماماً، لأنّني أتقن هذا الإعراب، وكيف ذهب بي الغرور إلى ذلك التقدير: وفتاةٍ عاذلةٍ.
عند نهاية الامتحان، كان أوّل قرار لي قراءة الكتاب من جديد بهدوء وتركيز، لم ينته الشهر حتّى اتّصل بي أحد أقربائي يخبرني النتيجة، أنّني ناجح بهذه المادّة وفوق الثمانين بالمئة.
أوّل شيء أردته عند زيارتي للجامعة رغبتي في مقابلة هذا الأستاذ العظيم، وكان ذلك، بادرني بالإعجاب بذلك التقدير: العاذلة هي فتاة في النهاية وشرحي الواضح للمسألة أنقذني.
ولد الأستاذ سعيد الأفغانيّ في دمشق (١٣٢٧ ـ ١٤١٨ هجريّة) (١٩٠٩ ـ ١٩٩٧م)، التحق بالدراسة الابتدائيّة ١٩١٨م، وأتمّ الثانويّة ١٩٢٨م في مدارس دمشق، ثمّ مدرسة الآداب العليا ١٩٢٩ ـ ١٩٣٢م، بدأ معلّماً في المدارس الابتدائية ثمّ الثانويّة التجاريّة، فالعامّة حتّى ١٩٤٦م، ثمّ مدرّساً في قسم اللغة العربيّة بكليّة الآداب جامعة دمشق، وأصبح أستاذاً بها، ثمّ رئيس قسم اللغة العربيّة، ثمّ عميداً لها.
أجيال وأجيال تتلمذت له، الرعيل الأوّل الذين فاخروا به، كما قرأت ذلك في مقدّمات مؤلّفاتهم الدكتور فخر الدين قباوة، محمود فاخوري، محمّد خير حلواني...