تفاؤل.. وتفاؤل

مقالة للمفكر الشهيد حسين مروة في جريدة "الحياة" البيروتيىة ـ زاوية "أدب" ‏تاريخ 31/ 5/ 1951 ‏
بعنوان: تفاؤل.. وتفاؤل ‏
‏ يقول لي "احدُهم" إنني متشائمٌ ـ لا أرى غيرَ الآلام والأوجاع، ولا أكتبُ إلا الآلام ‏والأوجاع .‏
‏ أما وأنني لا أرى ولا أكتبُ إلا آلاماً وأوجاعاً، فذلك حقٌ ولا ريب فيه، ولكنني لستُ من ‏المتشائمين، بل أنا ممّن ينكرون التشاؤم، ويكفرون به، ويدعون إلى التفاؤلِ ويؤمنون به . ‏
‏ إنني متفائل، أعيش التفاؤلَ في نفسي وفي أهلي وفي مجالاتِ حياتي كلِّها، ومَنْ ذا رآني ‏يوماً من قُرّاءِ هذه الزاوية أتحدثُ عن شأنٍ من شؤون ذاتي شاكياً أو باكياً أو متذمِّراً، كما ‏يفعلُ أدباء "الفراغ" والانطواء؟ ‏
‏ ولكن هناك نوعان من التفاؤل.. هناك تفاؤلٌ خادع، يخدعُ صاحبَه ويخدعُ الناس، تفاؤلٌ ‏يغمضُ عينيْه عن أفاعي الجحيم ليوهِمَ صاحبَه ويوهِمَ الناسَ أنها حوريّاتُ النعيم، تفاؤلٌ جبان ‏يهربُ من الواقع ـ ويمدُّ أذنيْه عن صراخِ الآلام ِ والأوجاع أنانيًةً وخبثاً، أو ضعفاً وجُبناً، أو ‏نِفاقاً ورَياءً، أو شذوذاً ومرَضاً، هذا تفاؤلٌ كاذبٌ، تفاؤلٌ يقصدُ قصداً، أن يستبقيَ الآلامَ ‏والأوجاعَ كما هي، فإذا اشتدّتْ وطأتُها على النفوس، ناولَ هذه النفوسَ جرعةً من "أفيون" ‏الوعظِ الفلسفي الخادع، تخدِّرُ فيها الآلامَ والأوجاعَ بعضَ حين، وتُهدِّيءُ صورتَها بعضّ وقت‏، ثم تعودُ تنهشُ جوانبَها نهشاً ضارياً، فيعودُ هذا التفاؤلُ الخادعُ الكاذب إلى فلسفة ‏‏"التخدير".. وتبقى الحالُ هكذا، ثم تستضري الآلام والأوجاع، وتتهدّم النفوس وتنهار. ‏
‏ وهناك لونٌ آخرمن التفاؤل، هو هذا الذي يواجهُ الحقائق، كما هي بشجاعةٍ وجراءةٍ وقوةِ ‏احتمالٍ وصلابةٍ وإيمان، يواجهها على صعيدها الواقعي، لا يقفُ حولها ولا يدور، ولا يأتيها ‏من وراءِ الوهمِ والخيال، ولا يشيرُ إليها من بعيدٍ بعيد في عالم المجرَّدات والمطْلَقات، بل ‏يقصدُ إليها قصداً حيثُ هي، يغلغلُ في أصولها وجذورها، ويسبُرُ أغوارَها وأعماقَها، ويدخُلُ ‏مجاهلَها وظُلُماتِها، غيرغائبٍ ولا حائرٍ ولا متردِّدٍ ولا واجفِ النفس، راجفِ القلبِ واهنِ ‏الإرادة. ‏
‏ هذا اللونُ من التفاؤل يَقصدُ إلى الجد، لا إلى العبَثِ والهزَل، يقصدُ إلى الآلام والأوجاع ‏في مكامنها وفي مخادعها وخباياها، ويقصدُ إلى الأوضاعِ المنحرفة والأنظمة الفاسدة المهترئة ‏التي هي مصدرُ الآلام والأوجاع، يبحثُ عن أُسسِها الأولى، ليتعرَّفَ إلى أصول الانحرافِ ‏وجذورِالفساد، وحينذاك يهون الأمر، وتطمئنُ النفوس، لأنها تكونُ قد عرفتْ أسبابَ آلامها ‏وأوجاعها، وعرفت كيف القضاء على هذه الأسباب، وكيف الوصول إلى السلامةِ منها والعافية‏‏.‏
‏ فأيُّ التفاؤليْن خيرٌ لكَ إذن؟ أتفاؤلٌ يخدعُكَ عن واقعِ أمرِكَ، ويُعالجُ آلامَكَ وأوجاعَكَ ‏بالتخديرِ والتسكينِ والإيحاءِ الكاذب، والإيهام المضلِّل، لتبقى لكَ الآلامُ والأوجاعُ تسري ‏وتشتدُّ وتستفحل، أم تفاؤلٌ يضعُ يدَكَ على مصدرِ دائكَ بإخلاصٍ وصدقٍ ووضوحٍ وصراحةٍ ‏وشجاعة، لتعرفَ حقيقةَ أمرِكَ، فتسعى إلى استئصالِ الداءِ من جذوره، وتعيشَ، بعدُ، صحيحاً ‏معافى، سعيداً؟‏

منقول عن صفحة @hanaa mroueh

من صفحة اليسار في لبنان والعالم