ما هو التنوير؟

د. عدنان عويد

أولا: مفهوم التنوير:
ينصرف مفهوم التنوير من حيث المبدأ إلى اعتبار أن العقل والاردة هما مصدر الحقيقة لكل النشاط الفكري والعملي للإنسان, وأن الظواهر في جوهرها لا تقوم على الثبات والإطلاق, بل على الحركة والنسبية.
ثانيا: تحديد بداية ونهاية عصر التنوير:
1- من حيث المعطى العام للتنوير, المسألة خلافية بالنسبة لزمان ومكان ظهور التنوير. لذلك نحن نجد هذه البدايات:
آ= مع تاريخ الشرق القديم حيث تجلت واضحة في رد جد جلجاميش (أو نو تابتشم) على جلجاميش الذي تعب من رحلة البحث عن الخلود بقوله:
متى بنينا بيتا يقوم إلى البد؟
متى ختمنا عقدا يدوم إلى الأبد؟
لم يكن دوام وخلود منذ القدم.
ب= أما مع الغرب, يبدو أنها ابتدأت مع:
توماس الأكويني: في القرن الثالث عشر, الذي حاول استرداد المنطق الأرسطي من أجل تحديد أو تعريف تلك القوانين الحامدة في النص الديني المسيحي.
المدرسيين: في القرن الربع عشر, الذين راحوا يعملون على جز تلك القوانين الجامدة في النص الديني المسيحي , بوسائل المنطق.
الحركة الإنسية: في كل من فرنسا وايطاليا, وهم الذين ناقشوا مسألة (عبادة الله), حيث وصلوا إلى نتائج تقول إن عبادة الله الصحيحة والمنطقية هي التي تتضمن إعجاب خلقه به, وخاصة الإعجاب بقوته في خلق الإنسان, ومكانة هذا الإنسان وقدرته, ثم أن عبادة الله ليست بحاجة إلى وساطة من قبل رجال الدين الذين يعزفون على وتر الخطيئة العامة.
ومع ذلك كون مسألة التنوير هي مشروع غربي في سياقه العام, لذلك فإن مسألة تحديد بداية التنوير ونهايته كمشروع فكري ومنهج راحت تطرح من قبل مفكري الغرب, وقد شكلت حالة خلافية حيث نجد هناك من قال أنه ابتدأ مع منتصف القرن السابع عشر, وخاصة مع الثورة لانكليزية / 1688/. والبعض حددها مع قيام الثورة الفرنسية /1798/. والبعض دها مع بداية الحروب النابليونية /1805-1815/. ولكن يبدوا لنا ان هناك اتفاق لدى الأكثرية بأن باديات التنوير كانت نع بداية القرن الثامن العشر.
ثالثا: الخلفية الاقتصادية والاجتماعية للتنوير في صيغته الغربية كمشروع فكري ومنهجي:
تحسن التجارة – والصناعة المانيفكتورة – هجرة الفلاحين من الريف إلى لمدينة – بدء تشكل الثروة المنقولة على حساب الملكية الثابتة الأرض – تشكل الطبقة المركانتيلية – تشكل الطبقة البرجوازي – تشكل الطبقة الرابعة – الصراع السياسي بين الطبقة البرجوازي والعمالية من جهة ضد طبقة النبلاء والكنيسة والملك من جهة أخرى – قيام الثورة الفرنسية وانتصار البرجوازية ووصولها إلى السلطة.
رابعا: المنطلقات الفكرية للتنوير في صيغته كمشروع ومنهج فكري:
1= على المستوى الديني: كان هناك (مارتن لوثر وكالفن), حيث راحت الكنيسة البروتستانتية تتحدى أسس الكنيسة الكاثوليكية الجامدة, من حيث التركيز على حرية الإرادة, وشعبنة الدين بعد كان مقتصرا في تعاليمه على الكهنوت – رجال الدين من خلال ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغات القومية.
2= على المستوى العلمي : كوبونيك وهارفي, وتخليص الحقائق العلمية من سيطرة التفسيرات الدينية لها, وفتح الآفاق واسعة أمام العقل الإنساني في اكتشاف قوانين الطبيعة التي تطورت مع نيوتن وما تلاها من ثورة في مجال الميكانيك.
3= على المستوى الفلسفي والفكري: ابتدأت مع أسئلة "مايكل دي مونتيغي" (ماذا أعرف؟ وماذا عليّ أن أعمل؟). ثم مع ديكارت في القرن السابع عشر وخاصة مع سؤاله الكبير في الشك (أنا أفكر إذا أنا موجود) وهي أسئلة تضمنت في طياتها بذور التفكير الحر, والرغبة في الاختيار, وعدم فرض العقائد المطلقة, ونسبية الأخلاق, وهي ليست خاصة بالمسيحيين فقط, وإنما الأخلاق توجد لدى كل الشعوب وحتى البدائية منها.
4= على المستوى السياسي: بدأت تظهر السلطة الاقتصادية ممثلة بحاملها الجديد الطبقة البرجوازية, هذه السلطة التي راحت تطرح شعارات الحرية والعدالة والمساواة والحق الطبيعي ودولة القانون والحرية الفردية وما يرافقها من حريات تتمثل في حرية الرأي والنشر والانتخاب.. الخ.
هذا وقد ظهر الكثير من المفكرين الذين عبروا عن هذه السلطة الجديدة أمثال, فولتير- جان لوك – روسو- مونتسكيو- هلفيسوس, ديدروت,بايل, هيوم, وغيرهم ممن أطلق عليهم فلاسفة عصر التنوير.
5= على المستوى الفكري كان التأكيد على:
آ- الفردانية.
ب- استقلالية العقل.
ج- المثالية والتقدم.
د- الثقة في إمكانية كشف السببية والقبول بها.
ه- المبادئ الطبيعية في حكم الفرد والمجتمع.
و- التضامن العالمي لأفكار التنوير.
ز- احتقار التعصب القومي.
ح- مبدأ الخصوصية بدلا من العمومية.
ط- الحسية أكثر من النظرية.
ك- التجربة أكثر من التخمين العقلي.
س- الإيمان بالعقل ثابتا ومستقرا.
5= الموقف التنويري من التاريخ:
عمل التنوير على تخليص التاريخ من صيغه الآثارية وفقه اللغة, فالحقيقة التاريخية تأتي وفق التنوير من خلال الامتحان الموضوعي لسجل الإنسان الذي راح الفرد والمجتمع وروح الأمة والحق الطبيعي وحرية الفرد وتملكه, يشكلون جوهر التاريخ. لقد ظل العقل هنا هو الأساس, اضافة إلى دور المهمة الاجتماعية في المعرفة.
6= موقف التنوير من الحداثة:
في الأساس جاء التنوير ليشكل مرحلة عقلانية تعمل على قلب مفاهيم التقليد الراسخة, لذلك نرى أن كل القضايا التي استمدت تراثها من الفكر التنويري الكلاسيكي, أو اعتمدت في سيرها وتطبيقاتها على العلم والعقلانية بما فيها الدقة والنظام الهندسي والمعارضة للعاطفة والتعصب والخرافة اللاعقل, حسبت على قيم التنوير.
لذلك جاء التنوير هنا ليتفق مع الحداثة وليشكل قاعدة أو مصدر الأفكار النقدية المتعلقة بالحرية والديمقراطية والعقل, كقيم أولية لحياة المجتمع, وكثيرا ما تم النقاش حول مسألة التنوير على أنها أسست القواعد الأساسية للحقوق والمفاهيم الحداثوية مثل, التوجه نحو النظرية العلمية في المعرفة، والتسامح الديني, وتنظيم الدول في حكومات جمهورية عبر وسائل ديمقراطية وغير ذلك.