شعراء جبال البورز

علي بدر

 هذه مقاطع من رحلتي الى ايران، نشرت في كتابي "خرائط منتصف الليل" الذي حصل على جائزة ابن بطوطة العام ٢٠٠٧
شعراء جبال البورز
"بعيداً عن الدروب المعروفة، مرّ متخفياّ، حيث كل غابة، وكل جسر
يعرف النشيد"
الشاعر الإيراني أحمد شاملو
*
لا أتحدث عن رحلة النبي دانيال الشاقة، ولا عن مغامرة لصيد كبير، إنما عن رحلة إلى طهران، إلى كلاسيكية الأدب الفارسي، إلى خان شاه نامة العظيم دون أن أعرف شعراء كثرا يقرءون في مقهى صغير أشعار جامي، أو حافظ، أو الشيرازي، ولا كتابات ملا صدرة أو عبد الكريم سروش.
*
من مطار أتاتورك حملتني الطائرة ومرقت بي في ليل إيران البهيم، فجر جديد على جبال البورز المتعرجة، على مت دامافاند الملوكي وقد غمرنا ضباب طهران الأبيض، سائق التاكسي الذي أقلني إلى الفندق طلب بقشيشا عاليا وبالدولار، ظنني مليونيرا أو تاجرا، رفعت يدي أمامه إلى الأعلى وقلت له أطلق النار!
وفي فندق آزادي كل شيء لا معقول وسريالي وساخر مثل حاجي بابا الأصفهاني التي ابتدعتها عقلية جيمس موير الساخرة، تأخذ مفتاح حجرة ليست حجرتك، والحمال يأخذ حقائبك إلى شقة ليست شقتك، وموظفة الاستعلامات بالرغم من جمالها التاريخي الساحر فإنها بلحظة أضاعت جوازي.
الشاعرة الإيرانية معصومة آصفي لحقت بي وقبلتني رغم وجود رجل دين في الصالة، وأخذتني إلى مطعم دربند التاريخي لتناول الكباب الإيراني بالسماق على أنغام الموسيقى الساحرة، النساء يدخن السجائر ويطرحن الإيشاربات عن رؤوسهن، والشادور أصبح أكثر تجسيما على الأجساد من الشادور القديم.
أدهشتني الشوارع الفسيحة الرائعة، المنتزهات الفخمة ذات الظل البارد وعطر مئات أشجار السرو المغروسة منذ القاجاريين، المنازل بأفنيتها الكبيرة وزجاج نوافذها الملون، سوق كارافانسيراي بممراته، وصفوفه المقببة المنخفضة، مسجد الشاه ومدراسيه، وفي المساء سرنا على طريق كالوس الجبلي بقممه المغطاة بالجليد، بتنا في منتجع كلارادشت الجميل، سبحنا في العيون الساخنة لمنتجع رمسر الساحلي، زرنا المناطق الأثرية لماسولة القديمة، تجولنا في الأسواق الشعبية على امتداد بحر قزوين، زرنا البرسبوليس ونقش رستم، ثم وقفنا أمام قبر حافظ، أمام القبة التي ترتفع إلى الأعلى كرمز للروح الصاعدة نحو السماء وتحدثنا عن الشعر الفارسي الذي تأثر بالشعر العربي.
*
"تأثير اللغة العربية على اللغة الفارسية مثل تأثير اللغة الرومانية على اللغة اللاتينية، الرومي، الخيام، سعدي، حافظ، ناصر خسرو، العطار، و جامي كلهم تأثروا بالقرآن و الشعر الجاهلي و الأموي و العباسي، سعدي انتحل قصائد المتنبي، وفردوسي رغم عنصريته لم يستطع أن يستغني عن المفردات العربية في شاهنامته" قالت معصومة آصفي ذلك وهي تتعلق بذراعي وتحاول أن تضبط إيشاربها الذي انزلق عن رأسها، شعراء آخرون كانوا في حديثها: ميرزاده عشقي الذي قتله بهلوي، عارف القزويني و فرخي يزدي الذي تم تخييط فمه بسبب قصائده المحرضة ضد الشاه، الشاعر والأمير القاجاري ايرج ميرزا الذي مزج الغزل و الحب المجازي بقدح أبناء زمانه من سياسيين وغيرهم، بروين اعتصام و قصائدها العاطفية ذات الصبغة الإنسانية و المشحونة بالنصائح و الحكايات.
*
مشينا معا في الأسواق والشوارع وفي الساحات الواسعة، التقطنا صورا أمام دكاكين الحلاقين، أمام باعة التوابل والمكسرات، أمام محلات المجبراتية، أمام المكتبات الكبيرة، أمام محلات العطارة والبقاليات، أمام المطاعم التي تقدم البيبسي كولا والساندويشات. الوجوه هنا تذكرني بالشخصيات التقليدية من تجار البازارات في قصص صادق هدايتي، الروائي الذي انتحر في شقته في باريس في الثلاثينيات..وجوه تذكرني بشخصيات برزك علوي وروايته عيونها، تذكرني بشخصيات محمود دولت آبادي والذي يعد نجيب محفوظ الأدب الفارسي، بفروغ فرخ زاد التي تشبه غادة السمان من نواح كثيرة، بشخصيات رضا برهاني والمسرحي سعيد سلطانبور الذي أعدمه الخميني...أمام واجهة المكتبة التي توقفنا أمامها كانت الكتب الأجنبية المترجمة للفارسية تتصدر الواجهة: بروست، توماس مان، مكسيم غوركي، نجيب محفوظ، غادة السمان، طه حسين، توفيق الحكيم، غسان كنفاني، البياتي، محمود درويش، عبد الرحمن منيف، نازك الملائكة، محمد مفتاح الفيتوري، سميح القاسم، قال لنا كاتب شاب إن الرقابة شديدة ولم تسمح بطبع روايات مهمة مثل يولسيز لجويس ومدام بوفاري لفلوبير وغيرها.
*
سرنا أنا ومعصومة آصفي وكاتب شاب حتى وصلنا محطة القطار، جلسنا في مطعم لغياب المقاهي، ثم انحدرنا صوب منتزه أجامشيد الكبير وجلسنا تحت الظل الثقيل والصامت، كانت النسائم الباردة تخفق على وجوهنا، وحديثنا انعطف شيئا فشيئا نحو الشعر:
تحدثت لي معصومة آصفي عن علي أسفندياري الذي دمر أسطورة الشعر الكلاسيكي، عن نيما الشاعر الكئيب الذي قال:
هذا دلوك في يدي وأنا بئركم ألوح بالماء من بعيد.
تحدثت لي عن برويز ناتل خانلري ومحمد حسين شهريار وفريدون توللي..تحدثت لي عن بهجت تبريزي الذي صرخ: "سلاماً يا حيدر بابا" والتي كتبها باللغة التركية، عن أحمد شاملو الذي كتب قصيدة النثر الإيرانية، أدهشتني وهي تتحدث دون انقطاع عن قصائد شاملو الميتافيزيقية، عن شاملو الذي كان يرتعش من خوفه من العوالم المجهولة. كنت أشعر ببدن شاملو وهو يقشعر، شاملو الذي بكى الهواء المضبب بالحزن ونتف الحبال الفضية في مسبحة الجواهر، شاملو مزيج من ريلكة وبرودسكي فالشعر حادثة، حادثة مسببها الزمان والمكان. ولكن شكلها يتحقق في اللغة...
كان شاملو يسمي قصيدة النثر بالشعر الأبيض, شعر لا يريد أن يظهر على شاكلة الشعر، قصيدة النثر هي رقص لا يحتاج إلى إيقاع، موسيقى حسية، شعر أبيض، فكر متمرد، كما كتبته فروغ فرّخزاد، كما كتبته وهي تبحث عما خفي فيها، عن البحرٌ الذي لا يمكنها أن تخفيه في هذا الطوفان المخيف..
مهدي إخوان شاعر اليأس والجو الكئيب، والأبواب الموصدة، والرؤوس في الياقات، والأيدي المخفية، حيث الأشجار هياكل من بلور مرصوف، والأرض ميتة القلب، والسماء واطئ سقفها...
ومن ثم سُهراب سبهري السريالي الذي مزج شعره بالعرفان والدروشة، سبهري الذي خشي أن تأتوا على رؤوس أصابعكم، كي لا تتفطر آنية وحدته الخزفية الرقيقة...
جلسنا طويلا ونحن نحدق بالوجوه والأشجار والشوارع، جلسنا طويلا ونحن ننظر إلى الطيور البيض وهي تحلق في السماء المكشوفة، جلسنا طويلا ونحن نتذكر الشعراء الذين قتلتهم الأيدي الخشنة والوجوه المتصلبة في ليل طهران البهيم.
في آخرة الليل سرنا في الميدان الكبير وقد وجدناه حيا ونابضا منذ عصر القاجاريين، ضرب وجوهنا الهواء البارد ولسعتنا رطوبة قارسة منعشةً إيانا بالنبيذ الذي أخفيناه في حقيبة صغيرة، والسجائر والدفء الفواح، كان الوقت متأخراً ليلاً، وكان الهواء يشتد في الضاحية كلها، وراحت أشجار السرو الطويلة المدببة تصفر في الأعلى، والإسفلت يتجلد على الشارع، بينما أخذت القناديل ترتجف وهي تلقي بنورها على البنايات المتقابلة.