بقعة ضوء على الأمة الايرانية
علي بدر
هذه أفكار ليست في الدفاع عن إيران بمقدار فهمها. لأني أرى الكثير من الأصدقاء يستخلصون النتائج حول الصراع الدائر من تجربة الدولة الوطنية او الأنظمة السياسية في العالم العربي وهذا خطأ كبير.
في الواقع إن نشأة الأمة الإيرانية وصناعة هويتها تختلف جذريا عن تجارب العرب في تكوين الدولة الحديثة. ففي حين أن الدول العربية كيانات سياسية حديثة تأسست في القرن العشرين على خلفية تركيب استعماري هش، فإن الأمة الإيرانية تشكلت عبر مسار تاريخي طويل يعود إلى القرن السادس عشر مع صعود الدولة الصفوية (وهم من الاتراك)، وهذه الدولة رسخت فكرة إيران كوحدة ثقافية سياسية متمايزة. وفرضت العقيدة الشيعية ليس فقط كهوية طائفية انما دمجتها بعمق في البنية الرمزية للهوية الوطنية الإيرانية. يعني هذه العقيدة غدت أحد مكونات السرد الوطني، جنبًا إلى جنب مع عناصر أخرى مثل الشعر الفارسي الذي بقي عبر العصور الوعاء الأعمق للذاكرة الثقافية والروح القومية.
لذلك بالرغم من وجود مشكلات قومية مع الكرد، أو مع البلوش أو مع العرب إلا أن إيران نجحت في بناء وطنية قوية تستند إلى توليفة فريدة فيها تشيّع سياسي ثقافة شعرية فارسية مع شعور عميق بالاستمرارية التاريخية. هذا ما يجعل النموذج الإيراني في بناء الأمة مختلفا كليا عن الحالة العربية بشكل عام.
في الحالة العربية ما تزال الهوية الوطنية في صراع دائم مع الانقسامات الطائفية والإثنية، ولم تنتج حتى اليوم سردية جامعة مماثلة.
لهذا بالضبط، يمكن القول إن الصراعات الخارجية، بدل أن تضعف النظام الإيراني، تسهم في تعميق تماسكه الداخلي، فالنظام الإيراني ليس مجرد سلطة سياسية، بل هو تعبير عن هوية وطنية–دينية صاغها تاريخ طويل من التفاعل بين التشيّع والثقافة الفارسية.
في كل أزمة كبرى، من الحرب العراقية–الإيرانية إلى العقوبات الدولية، يظهر أن الخطاب الرسمي يعيد تفعيل رواية الظلم العالمي ضد الأمة الإيرانية، محولا الصراع الخارجي إلى عنصر تعبئة داخلية.
بهذا المعنى، كل حصار، كل تهديد، يعيد ربط الجماعة الوطنية الإيرانية حول مركز الدولة–العقيدة، حيث تستحضر الذاكرة الشيعية للصبر والمظلومية كجزء من الهوية القومية ذاتها. وهكذا، ما يضعف الدول الهشة في العالم العربي يقوي إيران لأن بنية الأمة هناك أعيدت صياغتها تاريخيا لتكون قادرة على تحويل الألم السياسي إلى طاقة رمزية وتعبوية.