ملامح متقدمة زمنيا للرواية العربية.. جرجي زيدان- حلمي مراد

علم عبد اللطيف

في النصف الأول من القرن العشرين. عرف القراء نشاطا أدبيا في المنطقة العربية. بدأ يتخذ أشكالاً تتفق مع الإقبال الملحوظ على قراءة الرواية الصحفية في بادئ الأمر. فما هي هذه الرواية الصحفية؟
بدأ الصحفي والروائي المصري حلمي مراد/١٩٢٠- ٢٠٠١/ بإصدار سلسلة..(كتابي). في كتاب يصدر شهريا. وفيه تنويع أدبي وصحفي. ويقدم في كل كتاب رواية يقوم بتلخيصها لكاتب آخر. أو يقدمها هو في حيثياتها وحواراتها ملخصة.
اعتمد حلمي مراد في اختيار رواياته المنقولة على قصص التحول في التاريخ والعالم. مفاصل تاريخية صنعت تحولاً إنسانياً. واختار ان يقدم قصصَ نهايات تاريخية وسياسية. مثل سقوط الامبراطورية الرومانية.. ونهاية الملكية في فرنسا. وسقوط القيصرية في روسيا.. وسقوط الامبراطورية العثمانية.. وهكذا.
نهايات تعني فيما تعنيه. بدايات جديدة.
لن نناقش طويلا مشروعه من حيث المنهج. بل يعنينا الحدث الروائي الذي يقدمه. إذ اعتمد حلمي مراد على تقديم التاريخ مطعّماً بالإنسان. ليتابع القارئ الحدث التاريخي برفقة شخصية واكبت الحدث او صنعته. بإدراك منه أن التقريرية السردية للتاريخ. يخفف من جفافها وجود وتلمس مشاعر انسانية حية لأشخاص يتحركون في النص المكتوب. فيعيش القارئ حزن الشخصية وفرحها. انتصاراتها وانكساراتها. لكأنما يعيش المرحلة الزمنية بنفسه.
لم يلجأ مراد لرسم شخصيات من الخيال في الرواية. فأوليمبيا هي فعلاً والدة الاسكندر المقدوني. وجوزفين زوجة نابليون. وايميه دي ريفري هي والدة السلطان العثماني محمود الثالث. والكسندرا زوجة نيقولا الثاني قيصر روسيا.. الخ..
وربما كان مردّ ذلك.. إلى أن التاريخ الذي قدمه مراد. لا يحمل إشكالاً من حيث استنطاق الشخصية التاريخية التي قدمها. وهي في العموم أجنبية. فلا يتحفظ على مصيرها. باعتبار أن ذلك حصل فعلاً. ويتوجّب التنويه إلى نجاح هذه التجربة بشكل لافت في مصر. وإلى المتابعة المهمة لسلسلته من قبل القراء العرب. فقلّما كان يخلو بيت قارئ عربي من كتب هذه السلسلة.
لكن جرجي زيدان الذي سبق مراد /١٨٦١- ١٩١٤/. وهو سوري الأصل. ليس لأن لبنان وسوريا كانا بلداً واحداً في بدايات القرن العشرين فحسب. بل لأنه فعلاً ينتمي لعائلة (زيدان) سورية الأصل. من ريف دمشق كما يقول في مذكراته. وكان من أوائل الأدباء الشوام كما تمت تسميتهم في مصر الذين هاجروا إلى مصر. ووجدوا فيها فضاءً مناسباً لإطلاق إمكانياتهم ومواهبهم. أكثر من مساقط رؤوسهم.
بدأ جرجي زيدان كمن يختطّ طريقةً روائية لم يتبعها حلمي مراد بعده. اختار زيدان أن يقدم سلسلة روايات تاريخ الإسلام في كتاب الهلال. وهو اسم الدار الذي أسسه في مصر.
جرجي زيدان اختار طريقة إيراد المفاصل التاريخية الإسلام. بشكل روائي. وحصر الحدث بتاريخ الاسلام والدولة الاسلامية. مبتدئا ب(أرمانوسة المصرية).لتنتهي سلسلته بـ(أسير المتمهدي) في السودان. مروراً بكل تاريخ الدولة الإسلامية. بالإضافة إلى كتب أخرى مهمة منها. تاريخ التمدن الإسلامي. وفتح الأندلس. وتاريخ آداب اللغة العربية. وغيرها.
سنرى زيدان في رواياته يبتدع شخصية روائية من خياله. تواكب الحدث التاريخي والمرحلة الزمنية التي يبتغي تقديمها. وفي الغالب الأعم كانت شخصية نسائية.مثل (ارمانوسة). وفتاة غسان. و(أسماء). عذراء قريش. و عروس فرغانة. وفتاة القيروان.. و(جلنار) ابنة دهقان مرو..و(سيدة الملك) في عهد الفاطميين.
يمكن فهم ابتداع شخصية روائية محورية في روايات جرجي زيدان. في صعوبة استنطاق شخصيات الاسلام والدولة الاسلامية كشخصيات تتحمل المقولات التاريخية التي يوردها. ومعظمها استقاه زيدان من كتب التاريخ التي كتبت بعد عهودهم. وهو معذور في ذلك كما نرى. لكنه مع حلمي مراد الذي برز بعده. أسسا لمشروع روائي عربي مستقر وأصيل. يقوم بالأصل على رسم شخصيات خيالية في العمل الروائي. يحرر الكاتب من الحدث التاريخي قليلاً. منطلقاً نحو رؤية فنية وإبداعية جديدة.
يبقى السؤال: هل كانت محدودية زمن الدولة الاسلامية سببا في توقف سلسلة دار الهلال أم ان طبيعة المرحلة الزمنية هي التي أوقفتها..؟
لا شك ان التجربتين أسّستا لمشروع روائي عربي. بصرف النظر عن أهمية المادة التاريخية التي تم تقديمها. ويمكن القول أن زمن حياة كل من الكاتبين. أو ظروف حياة كل منهما. كان هو العامل الحاسم في توقف السلسلتين. فحلمي مراد أصبح وزيراً للثقافة والاعلام في عهد جمال عبد الناصر. في حين بقي زيدان متفرغاً لدار الهلال حتى وفاته /١٩١٤/.