أكاديمية دار الثقافة تُطلق ناديها.. وترفع صوت الإبداع في المخيم
أمينة عباس- فينكس
من بين وسط الدمار والخراب، وما بين الأنقاض ورائحة الموت، علت أصوات نادي أصدقاء أكاديمية دار الثقافة من شعراء وقاصين ومن أجيال مختلفة، يعلنون بثّ الحياة في مخيم اليرموك بما قدّموه من شعر وسرد، من خلال مشاركتهم بأمسية أدبية دعت إليها الأكاديمية وحرصت على إقامتها لتستأنف نشاطاتها الثقافية بعد توقّف نتيجة الظروف السابقة التي عاشتها سورية.
ويؤكد د. حسن حميد، مدير الأكاديمية، على أهمية تشكيل أصدقاء نادي الأكاديمية، قائلًا: "وجود النادي هو إضافة حقيقية للأكاديمية التي ستزداد غنى نتيجة استقطاب الأدباء والكتّاب الذين يشكّلون أجيالًا في مسيرة المجال الثقافي والأدبي والإبداعي، وهم سيحملون على عاتقهم النشاطات الثقافية في مختلف الأجناس والفنون الإنسانية. ويسعدنا في أول نشاط للنادي مشاركة أصوات معروفة في الوسط الثقافي، وهم يشكّلون صلب النادي، الذي ستكون هناك مواصلة لنشاطات نوعية ومميزة له في داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها، وسيكون من أولوياتنا في هكذا نشاطات الحرص على تناول التراث الفلسطيني المهدّد بالنسيان والمحو عبر تقديمه بوصفه حاملًا من حوامل الثقافة الوطنية الفلسطينية".
وحول المشاريع المستقبلية للأكاديمية، يضيف حميد قائلًا: "ستعمل الأكاديمية على إقامة دورات تدريبية في الفنون الأدبية (رواية – شعر – قصة – مسرح – سيناريو – رسم – سينما – موسيقا)، والغاية من ذلك صقل المواهب والأرواح المعلّقة بالأدب والفنون من أجل تمكينها من خبرات واسعة قد لا يحققها الكتاب. وهذه الدورات ستكون مستمرة ومجانية إلى حدّ كبير، وسيقوم مجموعة من الأدباء والأكاديميين والفنانين فيها على تدريب وصقل المواهب"، شاكرًا الحضور الشعبي والثقافي لهذه الأمسية وغيرها، لأنه يشكّل دائمًا قوة نوعية دائمة لعمل الأكاديمية.
رافعة لإبداع حقيقي
ويشير أحمد علي هلال، أمين سر أكاديمية دار الثقافة، إلى أنه في إطار سعيها لأن تكون رافعة لإبداع حقيقي، دأبت أكاديمية دار الثقافة على تفعيل الحياة الثقافية والارتقاء بالإبداع، وهذا ما شكّل الدافع لانطلاقة أولى نشاطات الأكاديمية، التي شارك بها عدد من المبدعين الشباب والمخضرمين، الذين قدّموا إبداعًا مميزًا في السرد والشعر، عكس شواغلهم الفنية وهواجسهم الإبداعية، وتميّزهم باختيار موضوعات تليق باللحظة ارتقاءً بمعنى الإبداع ودلالة – برأيه – على تمريس الوعي والهوية بالقضية، انطلاقًا من إعادة الاعتبار للثقافة الوطنية وحواملها الإبداعية.
من هنا، فإن المغزى من عودة النشاط الثقافي للمخيم بأمسيات متعددة لنادي أصدقاء الأكاديمية، يعني: "إعادة الاعتبار لوجهه الثقافي المشرق، وخلق جسور للحوار بين مختلف الأجيال، تأكيدًا على ثقافة الانتماء والتجذر، وإطلاق طاقات المبدعين في فضاءات ملوّنة تُغني المشهد الثقافي. وذلك هو طموح أكاديمية دار الثقافة عبر مشروعها الثقافي، وتأصيل أبعاده، والانفتاح على التجارب الإبداعية، تشكيلًا لوعي ثقافي جديد، حيث يتكامل الإبداع مرتبطًا بقضية الإنسان، ومعبّرًا عن أحلامه وآماله المنشودة".
دور المثقف المنتمي
يبين الناقد والأستاذ الجامعي د. ثائر عودة، وهو أحد أعضاء الأكاديمية، أن أكاديمية دار الثقافة تسعى إلى تعزيز الوعي الوطني والثقافة المناهضة لكل محاولات النيل من الأصالة، وتكريس دور المثقف المنتمي في الوقوف سدّاً في وجه ثقافة التفاهة والسطحية المراوغة، والسعي إلى بناء تحصين ثقافي تقع على عاتق المثقف الوطني قبل غيره مسؤولية مواجهة ما يُسمّى بـ "كيّ الوعي" والانجراف نحو ثقافة التبرير العاجزة والواقعية الغالبة، ولتحقيق هذا الهدف، أُنشئ "نادي أصدقاء الأكاديمية"، ليعزّز – برأيه – هذا المشروع الوطني الكبير، ويكون جسرًا ثقافيًا متينًا بين المبدعين المتميّزين المنحازين إلى الثوابت الوطنية التي لا مساومة عليها. فقد ضمّ النادي منذ إنشائه نخبة متميزة من المهتمين والمعنيين بالشأن الثقافي العام، وافتتح باكورة أعماله باستضافة كوكبة من الأصدقاء من الشعراء وكتّاب القصة الذين تميزت نصوصهم بالنضج معنًى ومبنًى، وهم من الأدباء الذين لهم باع مقدّر وتجربة غنية في الأدب والكتابة، وكان إعلاء صوت القيم الإنسانية النبيلة بادياً في نتاجهم، وانحازت نصوصهم إلى جملة من المضمونات السامية، التي يقف في مقدمتها حب الأرض (في يوم الأرض) وحب الإنسان الحر (في يوم الأسير الفلسطيني)، ونشدان فضاء من الحرية المضرّجة بالحبر والحب.
ويؤكد د. عودة أن هذه التظاهرة الثقافية، واللقاء الزاخر بالإبداع، لن تكون محطة أخيرة، بل مفتتحًا للقاءات قادمة في الأدب والفكر والمعرفة الأصيلة:" الأكاديمية ترحّب بكل إبداع ينحاز إلى الثوابت، التي يحاول خَلخلتها بعض مدّعي الثقافة ممن ينعتون أنفسهم بـ "الليبراليين الجدد". ويضيف: "كيلا تصبح الخيانة وجهة نظر – كما يقول الشهيد الأديب المبدع غسان كنفاني – فإن إنتاج المعرفة التي تعزّز الوعي الوطني والتمترس خلف الثوابت هو أحوج ما ينبغي على المثقف أن يقدّمه للناس في هذه المرحلة الحرجة، التي تُشكّك في كلّ ما هو ثابت وأصيل".
ويختم عودة قائلاً: "ستبقى الأكاديمية في قلب معركة الوعي، تعزّز دور هذه النخبة المتميزة من المبدعين (أصدقاء الثقافة)، وتؤكّد على أنّ المثقف المشتبك المنتمي ما يزال له دور مهم وضروري في هذا الوقت المفصلي من تاريخنا، وأنّ الثقافة التي لا تعرف المهادنة والمراوغة هي خيمتنا وحصننا الأخير".
وكأن الروح ترتدّ
بما تحب وتميل إليه، شاركت الشاعرة نجوى هدبا بنصّين شعريين (نثر)، ومجرد فكرة المشاركة بنشاطات على أرض المخيم بعد النزوح والتشرد الثاني لسكانه تعني لها الكثير:"وكأن الروح ترتدّ في خلايانا وضمائرنا، الغالبية يَعتبرون مخيم اليرموك فلسطين الصغرى باتساعه وتنوع سكانه، وكونه مكانًا يضم العدد الأكبر من الفلسطينيين المهجّرين".
في حين يعبّر القاص رسلان عودة عن امتنانه لاهتمام الأكاديمية ورعايتها للنشاطات الثقافية، ومساهمتها في نشر وعي وطني وعلمي لبناء وطن حر كريم، يؤسس جيلاً صادق الانتماء لوطنه وقضاياه العادلة في تحرير الأرض والإنسان. ومن خلال القصة التي شارك فيها في الأمسية، وحملت عنوان "طنين", دعا إلى أوطان تُبنى بالحب لا بالخوف. . وهو الحبّ ذاته الذي دعا إليه القاص إحسان غرير في قصته "مزيدًا من الحب": "أرى أنه لو قُيّض لي أن أكتب، فلن أكتب إلا عن الحب، بمعناه الخاص والعام، ليحلّ على هذا الكوكب الذي يدمّره البشر".