بين مجلة شعر ومجلة الآداب: صراع الهوامش والمركز في الحداثة العربية"
علي بدر
ليس من المبالغة القول إن الصراع الذي اندلع بين مجلة "شعر" ومجلة "الآداب" في خمسينيات القرن العشرين لم يكن نزاعاً جمالياً حول شكل القصيدة وحدود اللغة الشعرية فقط، بل كان في عمقه صراعًا ثقافيًا وطائفيًا، سياسيًا ولاهوتيًا، بين هامش مسيحي متمرد مسنود من هامش الطوائف الباطنية المسلمة -علويين واسماعيليين- ومركز إسلامي، رسمي، أرثوذكسي، سني محافظ، بين أطراف عاصية على النظام الرمزي العربي ومركزٍ متمسكٍ بالبلاغة المؤسسة على النص القرآني، لا نتكلم عن أشخاص انما عن بنى ثقافية وسياسية.
لقد شكّلت مجلة "شعر"، منذ انطلاقتها عام 1957 على يد يوسف الخال ورفاقه من مسيحيين مشرقيين ومسلمين علويين واسماعيليين، انقلابًا ناعمًا ضد الهيمنة الإسلامية الرسمية على اللغة العربية، لا سيما تلك الهيمنة المتجذرة في قداسة النص القرآني، والتي أملت على الشعراء العرب أن يبقوا في ظلال الوزن والعروض كأنما هي شرعة منزلة لا يمكن تجاوزها. في المقابل، كانت مجلة "الآداب"، التي أسسها سهيل إدريس عام 1953، درعًا أيديولوجيًا للمركز القومي العربي، المتجسد في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، والذي أراد للشعر أن يظل ابن الأمة الناطقة باسم الثورة والوحدة.
في هذا التباين، تتجلى خريطة طائفية غير معلنة، تنسج خيوطها بين النصوص وتحت سطور البيانات، حيث يظهر مشروع "شعر" بمثابة تمرد لاهوتي وجمالي على بلاغة القرآن، واستلهام لجمالية مسيحية ليتورجية، تنهل من نثر الكتاب المقدس، من الترانيم والتراتيل، ومن التصوف الغربي الرومنسي، ومن البلاغات الغنوصية والباطنية للفرق الإسلامية الشيعية. أما "الآداب"، فقد كانت - دون إعلان صريح - وصية على الموروث البلاغي الإسلامي، تتبنى مفهومًا رساليًا للشعر، وتُعلي من شأن القصيدة العمودية والتفعيلة، وتربط بين الشعر والهوية، بين الشكل والمقدّس، بين الكلمة والعرق العربي-الإسلامي.
ليس من قبيل الصدفة إذًا، أن تُتهم جماعة شعر بالتخريب وأن يُوصم مشروعها بالحرب ضد العروبة والإسلام باسم الحداثة. فالجماعة لم تقترح شكلاً جديداً للقصيدة فقط، بل كانت تريد أن تقتلع البلاغة العربية من سياقها السني، وتدعو إلى إعادة كتابة التراث بنظرة جمالية حددتها هوامش الثقافة غير المعترف بها رسميا، بمعزل عن الدين الرسمي والدولة المتواترة والقبيلة المركزية. وهي دعوة أقلقت "الآداب" التي رأت فيها محاولة لنسف العمود الفقري للهوية العربية.
في هذا السياق، لم يكن الهامش هامشًا ثقافيًا فقط، بل طائفيًا أيضًا. فمجلة "شعر"، بمسيحيتها وباطنيتها الإسلامية المستترة، كانت تمثل أقلية لغوية ودينية وجمالية، تعيش على تخوم الأمة، وتنتمي وجدانيًا إلى العربية الدنيوية والدينية الهامشية، بقدر ما تنتمي فكريا إلى الغرب. كانت قصيدة النثر لديهم تعبيرًا عن رفضٍ مزدوجٍ: رفض للبلاغة الباقلانية كرمزٍ لهيمنة قرآنية، ورفض لمضمون قومي يدجّن الشعر لخدمة المشروع السياسي. ومن هنا، يمكن فهم احتفاء يوسف الخال وأدونيس ورفاقهم بالشعر الفرنسي والإنجليزي والأميركي، لا باعتباره افتتانًا بحداثة الآخر، بل كموقف وجودي من قيد الذات الجمعية.
على الضفة الأخرى، مثّلت "الآداب" صوت الجماعة القومية، الحارسة للهوية، الحامية للمقدّس، والرافضة لأي انزياح نحو فردانية شعرية أو غنوصية مسيحية. وقد اعتبر سهيل إدريس ورفاقه في بياناتهم أن قصيدة النثر "تغريبٌ عن اللغة، وتشويه للذوق، وتخريب للهوية"، وهي تُجسّد بنظرهم امتدادًا لاستعمار ثقافي غربي يتخفى بلبوس الحداثة، وقد غمزت الجماعة من قناة انتماءاتها الأثنية والدينية. هكذا، لم تكن معركة "الآداب" ضد "شعر" مجرد خلاف نقدي، بل معركة ضد ما اعتُبر تهديدًا وجوديًا للذات العربية-الإسلامية، قادمًا من النخبة المسيحية التي عُرف عنها منذ عصر النهضة ميلها إلى التماثل مع الغرب.
وقد أدرك أدونيس نفسه، في كتابه المرجعي "الثابت والمتحول", أن اللغة العربية، كما تشكلت بعد الإسلام، لم تعد وسيلة للتعبير الفردي، بل مؤسسة سلطوية تدور حول اللوغوس العربي السني. والحداثة، بنظره، لا يمكن أن تقوم داخل هذه المؤسسة إلّا بانقلاب جذري، يعيد تفكيك العلاقة بين اللغة والمقدّس. من هنا، نفهم لماذا لم يكن مشروع مجلة "شعر" مجرد ورشة شعرية، بل مشروع تفكيك لاهوتي للبلاغة العربية، ومحاولة لتحرير الشعر من سلطة السنة والاجماع، تمامًا كما حررت الحداثة الأوروبية الشعر من سلطة الكنيسة.
وإذا أردنا أن نعيد صياغة هذا الصراع في لغة واضحة، يمكن القول إنه صراع بين الشعر كمقدّس جماعي (الآداب)، والشعر كتجربة فردانية متعالية (شعر). الأول يرى في الشعر لسان الأمة، والثاني يراه صوت الذات في تأملها الوجودي. الأول ينتمي إلى جغرافيا السلطة، والثاني إلى ميتافيزيقا الهامش.
والهامش، هنا، ليس فقط جغرافيًا أو طائفيًا، بل أنطولوجي، لأنه لا يعترف بالمرجعيات الجمعية، بل يصنع مرجعيته من الحلم، من الرؤيا، من النشيد، من اللغة الحرة. ومن هنا، تأتي عظمة تجربة جبران، التي استبقت "شعر" بعقود، وصاغت مفهومًا مغايرًا للعربية، لا باعتبارها لغة الفقه والبيان، بل باعتبارها لغة النشوة والتأمل والحب.
في هذا الضوء، يمكن فهم مشروع "شعر" كمحاولة من المسيحي العربي والمسلم الهامشي لإعادة بناء ذاته داخل اللغة التي همّشَته قرونًا. لقد أراد أن يتكلم داخل العربية بلغة غير عربية، أن يقول الله دون أن يكون مسلمًا، أو مسلما-سنيا، وأن يقول الشعر دون أن يكون ملتزمًا بالعَروض. وهذه مفارقة عميقة، وربما مأساوية: أن تُطالب اللغة، باسم الشعر، أن تتحرر من مقدّسها.
ولعلنا نجد في رفض "الآداب" لهذا المشروع ما يؤكد أن الحداثة الشعرية ليست بريئة، بل مشحونة بتوترات دينية ومذهبية دفينة. فالشعر، كما قال أدونيس، هو معركة حول السلطة داخل اللغة. وعندما تُطرح قصيدة النثر كبديل عن الوزن، فإنها لا تُقدَّم بوصفها خيارًا جماليًا فحسب، بل بوصفها أداة تحرر من نظام رمزي - ديني - سياسي.
وبذلك، فإن الصراع بين "شعر" و"الآداب" لم يُحسم أبدًا، لأنّه صراع بين رؤيتين للإنسان، للهوية، وللمقدّس. أحدهما يرى الشعر وظيفة قومية، والآخر يراه نشيدًا كونيًا. أحدهما يتحدث من مقام الجماعة، والآخر من عزلة الكائن. وما يزال هذا الصراع قائمًا، في صفحات الكتب وفي قلوب الشعراء، بين من يرى في العربية أرضًا مقدسة، ومن يرى فيها مجرد مادة خام للحلم.