آباء يحفرون قبور أولادهم
روزا ياسين حسن
الكثير منّا رأوا المقطع الذي يظهر فيه العم أبو سليمان من قرية الرصافة بريف مصياف وهو يحكي عن مقتل ابنه وقلبه الذي شلعه القتلة من مكانه. الكثير منّا أيضاً ربما لم يستطيعوا إكمال المقطع حين شعروا بأن قلوبهم هي التي تُشلع من مكانها. ما أريد قوله إنه في ذلك اليوم نفسه يوم السبت 8 آذار 2025 كان هناك ابنا عم لأبي سليمان فقدا أولادهما في ذات المجزرة وهما ناصر سعد، الذي قُتل ولداه أمام عينيه وهما أحمد سعد سنة ثالثة هندسة بيئة تقنية، وحيدر سعد طالب بكالوريا، وكان عليه أن يحفر قبريهما بنفسه. قال له المسلّح الذي قتلهما: أعطيناكم 4 أشهر لتحلّوا عنّا وما حلّيتو.. ثم أشار إلى جثتي الشابين وصاح: هذا اللي عملتوه بحماة 82.. هذا هو.
والد الشابين لم يفهم حتى اليوم ما خصّه وولديه بمجزرة حماة! وإلى أين سيحّلوا، وعن من! فحين حصلت مجزرة حماة كان هو في 12 من عمره وأولاده بالطبع لم يولدوا بعد!
ابن العم الثاني لأبي سليمان فقد أربعة أولاد: بلال وأُبي وحامد وعلي سعد. والدتهم أصابها الشلل المفاجئ حين رؤيتها لجثث أولادها الأربعة مكوّمة فوق بعضها وغارقة بالدماء. وكان عليه أن يحفر قبورهم بنفسه كذلك.
ليس ببعيد عنهم كان الجار يوسف الأحمد قد طلب من مجموعة مسلحين أن يتفضّلوا ويفتّشوا البيت فما من سلاح عندهم فكلّهم مدنيين، لكن ذلك لم يمنعهم من قتل أولاده الثلاثة أمام عينيه، ليصيح أحد القتلة: يا خنازير شو عملتو بالحولة وشو عملتو بحمص!
ذلك الجار يوسف الأحمد الذي لم يفهم أيضاً ما علاقته بمجزرة الحولة وما علاقة أولاده بما حصل في حمص، هم الذين لم يعيشوا يوماً إلا في هذه القرية، كان عليه أن يحفر بيديه العاريتين وبدون عدة حفر قبوراً لأولاده الثلاثة.
هناك أناس مدنيين عُزّل في قرى فقيرة تحمّلوا مسؤولية جرائم لا علاقة لهم بها لا من قريب ولا من بعيد، سواء أكانت مجزرة حماة أو الحولة أو غيرها لمجرّد أنهم علويون، هناك طائفة كاملة تمّت وتتم شيطنتها لتبرير وتسويغ إبادة كاملة حصلت وتحصل بحقها، وماتزال استباحتها جارية برعب يومي وخطف وتنكيل.
إن لم تكن أخلاقك تحتّم عليك التضامن الكامل مع الضحية لأسباب تتعلّق بحقدك وعماءك الطائفي، وإن لم تضع نفسك مكان أولئك الآباء الذين حفروا قبور أولادهم بأيديهم، فكيف سنكون شركاء في الوطن!