"سيميائية العنوان "مابين الدّخول المباشر والمواربة قراءة دلالية لقصة"التمساح"

ريم محمد

العنوان هو العتبة الأولى والجاذب الأساسي للولوج إلى النص، واختيار العنوان الملائم الذي يرفع النص أو يجاري جودته يعتبر مهارة تضاف إلى المهارات الأخرى المستعملة ولا يقل أهمية عنها، بل إنه أحياناً يكاد يتفوق عليها
والسؤال هنا…
★ هل نجح الكاتب في اختيار العنوان؟
★هل تفوق العنوان على النص؟
★هل كشف عورات النص وقلص فضاءه؟
★هل جذبنا كقراء؟
★هل قولب الفكرة ومنع عنها فضاءات التأويل؟
"التمساح" بالمعنى الدلالي السيميائي له شقين فأيهما ناسب الموضوع؟
*هل التمساح بمعنى "الكذب في إيصال المشاعر /والتي تستعمل "دموع التماسيح كدلالة سيميائية لها "أي الكاذب"؟!
* أم التمساح "صاحب الجلد السميك" الذي يحميه فلا يستطيع أحد اختراقه يقولون "هذا الشخص تمسح، أي لشدة ماتعرض لضربات واضطرابات لم يعد يتأثر"
بالعودة للنص نجد أن المعنى الثاني هو السياق المراد له، لذا كانت براعة الكاتب في اختيار نوع الحيوان، ليس لأنه مفترس ولا برمائي ولا أخضر اللون، ولا لأنه يذرف الدموع جزافاً بل لأنه يشكل من جلده درعاً يحميه وهذا لب النص…
*إذن فالتحول لم يرده السارد كاملاً ، كان يريد التخلص من مشاكله الاجتماعية والنفسية والمالية "أي التخلص من كونه نكرة" ببناء درع حوله يجعل من التقريع والإهانات غير ذات تأثير، فهل نجح نجاحاً كاملاً؟
*الحبة، بنت الجدار، لكن الصفة الإنسانية التي كان يراد لها أن تستمر قد توارت خلف الشكل الذي آل إليه "فالآثار الجانبية " التي قصدها حوّلت الشكل من الشكل الإنساني إلى الشكل الحيواني، فالتحول كان مؤلماً وكاملاً، فقد فيه سماته الإنسانية ولو بالشكل والهيئة.
---------
★الموضوع النفسي المجتمعي في المعالجات القصصية القصيرة يحتاج إلى مهارةٍ كبيرة في التبئير والصعود الدرامي حتى الخاتمة، فهل نجح القاص هنا بذلك أم أن العنوان أخذه إلى منحىً آخر قولب بها الفكرة وجعلها أقرب للمعالجة الكوميدية؟قد تكون صورة ‏شخص واحد‏
-باستعمال العنوان "التمساح" أشار مباشرةً وبطريق أفقي دراماتيكي إلى الحبكة والمعالجة والشخصيّة الأساسيّة الضعيفة المهزومة الهاربة من مشاكلها، فقولبة الفكرة وتأطير العنوان جاء مباشراً فابتعد عن المواربة والتّشويق والبحث عن الحجج وتتبّع السّارد، فلو كان العنوان مثلاً "تحول ناقص /أو العلاج الأخير ،أو غيره…
لبحث القارئ في فضاءات النّص عن معانٍ أخرى ودلالات أغنت ووسّعت للفكرة وبخاصةً أن القولبة تشبه تقريباً تحولات كافكا في روايته "المتحول"، فما وجه التشابه والاختلاف بين البطلين؟
•"المتحول عند كافكا" :كان إنساناً مهاناً يعمل بجد وكد وتعب متناسياً صفاته الإنسانية في سبيل لقمة العيش "ضغوط نفسية ومجتمعية ومالية"
•"المتحول في القصة" : إنسان معنّف بشكلٍ دائم، خائف من التّقريع، هارب من الديون والدائنين، فمن حيث السيميائية النّفسية متشابهان " إنسان /لكن يعامل كحيوان"
[العقدة هنا هي التحول]، كل إلى مايناسب وضعه
/إنسان كافكا تحول لحشرة/، تسحقها الأرجل غير ذات قيمة ومقرفة "لأنه يشعر بالابتذال والظلم والنفور مثلها"
/إنسان القصة تحول لتمساح/، يلائم وضعه يجعله لايتأذى بالتقريع، يهرب من المشاعر التي كانت تقتله، يحمل من السّمات أكثر لذا كان تحوّله لتمساح بجلد سميك يجنبه المذلة…
والسؤال الملح هنا أخيراً، هل نجح التحول؟، وهل سيحتفظ بعد كل ذلك بانسانيته؟
★التحول لم يكن كافياً والدواء لم يعطه إلا شعوراً حيوانياً سيستمر، المشكلة لم تعالج فالفقر والمديونية والذل والتقريع سيستمرا لذا فمكانه مع بقية الحيوانات أمثاله فاقدي مشروعية الإنسانية في مجتمعاتٍ مريضة لا تكترث بأبنائها وبحل مشاكلهم، فهي المستنقعات حيث تضم الحثالات والتي لايأبه بها أحد وهنا وبمشهدٍ آخر مقابل سيميائياً هو تجمع ل
"المرضى النفسيين والمتسولين والمشردين وووالخ"
والذي يكاد لايخلو مجتمع ما شرقاً أو غرباً منهم وهم ضحايا ممارسات وقسوة خاطئة مجتمعية ودولية
تهانينا للكاتب فوزه في التسابق وإلى المزيد بإذن الله
ريم محمد
__________________________
القصة
______
"التمساح"
لم أعرف من قبل حبّة دواء بهذا الاخضرار. لا أتكلّم هنا عن خضرة الأعشاب والأشجار التي نصادفها كل يوم. كان لونها أغرب من كلّ هذا حتّى أنّني شككْت بوجود هذه الدّرجة من اللّون الأخضر في الطّبيعة. كنت كما الغريق الذي "يتعلّق بقشّة" مضطرّاً لتجربة أي شيء جديد لعلاجي من فرط الانفعال الذي بدأ يحوّل حياتي إلى جحيم بعد أن فشلتْ جميع البدائل العلاجيّة وما أكثرها بين يدي رجال الطب والدين على حد سواء.
شيءٌ خفيّ دفعني إلى الوثوق بهذا الشّيء الغامض. ربّما الغموض بحدّ ذاته يملك غوايةً لا تملكها الأشياء الواضحة. حتى الطّبيب الغامض ذو العيادة الغامضة في الحيّ الغامض بدا شديد الإقناع وهو يناولني الحبّة بتأنٍّ وهو يوصيني ويضغط على كلماته "احذر الآثار الجانبيّة!"
كان ابتلاع الحبّة أوّل عملٍ أقوم به في الصّباح التالي. ومثل كلّ اللّاهثين خلف معجزةٍ ما، انتظرْت مفعولاً سحريّاً في اللّحظات الأولى، كأن يولد في داخلي إنسانٌ جديد أو أن أشعر بجدارٍ داخليٍّ سميك وُلِدَ للتوّ لتحصيني من كلّ ما في الخارج، بيد أن أيٍّاً من ذلك لم يحدث.
كان شرطيّ المرور الذي خالفني وأنا في طريقي إلى العمل؛ الاختبار الأوّل للحبّة، وأشهد بأنّها نجحتْ نجاحاً باهراً آنذاك. لم تراودني المشاعر المعتادة يومها، بل على العكس من ذلك لم يُثِر المشهد فيّ أي انفعال يُذكر. بدا وكأنه مشهدٌ تلفزيوني وأنا أشاهده من على كرسيّ السّائق.
حتى عندما وصلْت متأخراً إلى الدّوام، راحتْ توبيخات المدير تنهال عليّ برفقٍ وكأنّها رذاذ مطرٍ ربيعيٍّ هادئ وهو الذي اعتاد شحذ عباراته الحادّة وتفخيخها بأقوى الكلمات اللّاذعة.
حتى صاحب البقالة الذي قابلْته في طريق عودتي إلى البيت بدا وكأنه يُطلعني على لوحةٍ فنيةٍ فائقة الروعة وهو يرفع في وجهي صفحةً من دفتر الحسابات المحشوّ برسوم وأرقام ديونٍ تراكمتْ عليّ ولم أسدّدها حتّى اللّحظة.
دخلْت المنزل وأنا أصفّر لحن إحدى الأغنيات الشعبية. لم أتذكّر متى صفّرت آخر مرّة، ربّما حين كنت صغيراً يوم نهاني والدي عن ذلك بحجّة أنّ التّصفير يستدعي الشٌياطين ويطرد الملائكة. دخلْت الحمّام لأغسل وجهي على إيقاع المقطع الثّاني من الأغنية. نظرْت إلى المرآة وشاهدْت بفزعٍ ما اعتقدْت أنّه أوّل الآثار الجانبيّة.
بدا وجهي مائلاً إلى الخضرة الدّاكنة وفمي أطول من حجمه المعتاد حتّى كاد يلمس المرآة. صرخْت بفزعٍ فبانتْ أسناني للحظة. كانت طويلةً جدّاً وحادّة أكثر من العادة وجاهزة لتقطيع طعامٍ أقسى بعشرات المرّات من وجباتي المعتادة. نظرْت بهلعٍ أتفقّد أيّة تغييراتٍ أخرى في بدني فهالني جلدي بسماكته المستجدّة وشكله الجديد المقطّع إلى مستطيلاتٍ متراصّة كأحجار القرميد.
هرعْت إلى غرفة النّوم لأبدّل ملابسي كي أقصد عيادة ذلك المجنون لأفرغ في صدره بضع رصاصاتٍ علّني أخلّص الطبّ والبشريّة على حدٍّ سواء. عانيْت بشدّةٍ أثناء إدخال رأسي الجديد في فتحة القميص الضيُقة. غير أنّي ما استطعْت بشتّى الوسائل ارتداء البنطال الذي حال بينه وبين جسدي ذيلٌ أخضر طويل انبثق لتوّه مختتماً سلسلة الآثار الجانبيّة للعقار.
هبطْت الشارع وأنا أقاوم بطء مشيتي الثّقيلة التي أصبحت على أربعة أطرافٍ بدلاً من اثنين. جميع من كانوا في الشّارع راحوا يشيرون إليّ بذعر. بعضهم لم يفوّت التقاط اللّحظة لتوثيقها على جوّاله، والبعض هرّب أطفاله من المكان خشية هجومٍ مباغتٍ مني، بينما أخذ البعض يطالب بإخطار السّلطات فوراً لإرجاعي إلى المكان الذي أُفلِتُّ منه.
حضر أخيراً بضعة رجالٍ بأزياء خضراء تشبه جلدي إلى حدٍّ كبير. أطلق أحدهم عليّ طلقةً مخدّرة كانت كفيلةً بأن أنغمس في ظلامٍ دامس لفترةٍ ما زلت أجهلها.
أستيقظُ اليوم ككلّ نهارٍ في مستنقعي الجميل الذي أُنشئ خصيصاً لي ولأقراني على تلّةٍ رابضة على كتف الطريق السريع. يلوّح الأطفال لنا من سياراتهم فلا نشعر كالعادة بأي انفعالٍ يُذكر. تعرّفت على الكثير من الأصدقاء مذ حضرْت إلى هنا. بدا الكثير منهم مألوفاً لي. لا شكّ أن زبائن ذلك الطبيب المجنون كانوا كُثُراً؛ ولا شكّ أنهم في ازديادٍ مستمر.
أذرع أرجاء المكان وصولاً إلى السّياج المعدنيّ الفاصل بين المستنقع والطّريق. أراقب السّائقين بشماتةٍ والحياة تطبع على وجوههم شتى أنواع الانفعالات. أعود إلى المستنقع ثمّ أحبس نفساً عميقاً في صدري وأغوص في الأعماق مغمضاً عينيّ وفي ذهني يتردّد صفيرٌ للحن أغنيةٍ أحبّها بشدّة.
ابراهيم ياسين