ركعتان تحية للمسجد
محمد صباح الحواصلي
واشنطن 5 كانون الثاني (يناير) 2014
ثم بكى وهو يحدثني عبر الهاتف عن مذابح المدن والقرى المستضعفة في سورية. لأول مرة اسمعه يبكي، ويختنق الكلام في حنجرته. لقد تجاوز صاحبي الثمانين، وقال لي إنه أصبح يقضي معظم يومه نائماً، وقال ربما من الحبوب المهدئة التي وصفها له الطبيب. قلت له:
"ولماذا الطبيب والأدوية يا عزيزي.. أنا لم أرَ شاباً في عمرك وهمتك.."
خرجتْ ضحكتهٌ من خلف انقاض الأسى والإكتئاب، وقال بصوت متهدم:
"أصبحتُ أنام معظم النهار والليل يا صباح.. أفيق قليلاً، أشرب ماءً وآكل لقمة دون قابلية، وأشعل سيجارتي بنهم.. لا أقرأ.. تصور يا صباح أنني لم أعد راغباً بالقراءة.. لقد سقطتْ القراءة مني أخيراً وانكسرت.."
ثم استأنف حديثه بأنفاس مجهدة:
"بمناسبة ذكر الكتب.. أريد أن استغني عن كتبي.. فأنا استغني عن أشياء كثيرة.. لكن الكتب بالذات عزيزة عليّ وأريد أن تذهب إلى من يقدرها.. فهل تقبلها مني هدية؟"
صدمني كلامه. فالمكتبات دائماً نسيج متكامل مع أصحابها.. مثل قوس قزح صاحبها لون منه لا يتواشج القوس اللوني بدونه. وقبل أن أقول شيئا تابع مردداً:
"أنا استغني عن أشياء كثيرة يا صاحبي.. فلا ترفض هديتي إليك. أنا أعرف أن الكتب الأدبية قليلة في مكتبتي.. لكن فيها كتب سياسية كثيرة، وفيها كتب دينية لأبي."
قلت له حينها:
"سآخذ كتبك.. وسأعيدها إليك.. سأعيد الأمانة إليك متى شئت."
ضحك بتعب:
"تعيد ماذا! ومتى! وهل بقي لصاحب الأمانة الكثير من الأيام.."
قاطعته:
"بقي الكثير.. ألا نريد أن نحقق أمنيتنا ونعود إلى الشام، ونسير في شوارعها وطرقاتها. ألا تريد أن تعيدني إلى التدخين وأدخن معك سيجارة في مقهى الهافانا؟"
هذه المرة لم يقل لي مداعباً كعهده دائماً بأن أكبر خطأ ارتكبته في حياتي هو إقلاعي عن التدخين! هذه المرة أخذ نفساً متهدجاً وقال:
"الشام راحت يا صباح.. وإلى حين أن تعود الشام نكون نحن قد رحلنا من زمان. أنا أراها الآن كثيراً في أحلامي.. كلما أفقت يطبق علي الإكتئاب، فأهرع إلى نومي.. إليها. كم هو جميل أن ترفق الأحلام بحالي.."
ثم صمت صاحبي. وعلى الرغم من أنني أمقت اليأس، إلا أنني صمت أنا الآخر، إلى أن جاء صوته عبر الهاتف ثانية:
"متى سأراك يا صباح؟ أعرف أن المسافة بيننا بعيدة، لكننا نبقى في ولاية واحدة وهذا ما يجعل اللقاء ممكناً. تعال نلتقى يا صاحبي فلقد بلغ مركبي منزلق الشلال الهادر."
وكرر: "أريد أن أعطيك مكتبتي. فأنت من يقدرها في أيامنا."
قلت له: "سنلتقي في القريب."
"إذن إلى اللقاء.. عجّل.."
"سنلتقي في القريب.."
ومن عجب أنني أفقت باكراً هذا الصباح على حلم جميل لا يزال ماثلاً بتفاصيله بذاكرة اليقظة التي كثيراً ما تتفلت منها الأحلام. حلمت أنني أسير مع صاحبي في طرقات دمشق القديمة في وقفة العيد، وكان يحدثني عن طرائف ونوادر الدمشقيين عندما بلغنا مقهى النوفرة عند بوابة الجامع الأموي الشرقية. قال لي: سنشرب معاً كوب مليسة وندخن سيجارة، ولكن قبل ذلك علينا أن ندخل الجامع ونصلي ركعتين تحية للمسجد. كنا نصعد الدرج على مهل وكان يحدثني: هذا باب "جيرون" أو "باب النوفرة"، وكما ترى إنه باب كبير وعلى جانبيه بابين صغيرين. وكما الأحلام دائماً غاب آخر الكلام، وكنا نصعد ونصعد وتكبر البوابة الشرقية أمامنا وتكبر.. ولكننا.. لم نصل.
(رحم الله الصديق الأستاذ وليد شيخو)