كان يخاطبني كصديق

محمد صباح الحواصلي
سياتل 15 أيار 2013
كنت واقفاً على رصيف شارع بغداد العريض أمام بيتنا عندما نزلت زوجته الألمانية من سيارته المرسيدس السوداء..
سلَّمَتْ عليّ:
"مرحباً صباح.."
وسلمت عليها:
"مرحباً فراو مراد.."
ثم صعدَتْ إلى بيتنا لزيارة صديقتها أمي..
وفي اللحظة التي عدت بنظري إليه رأيته يخفض رأسه قليلاً ليتمكن من رؤيتي من مكانه خلف مقود السيارة ويناديني:
"صباح.."
"أهلا دكتور.."
"إركب.."
ركبت السيارة. عرفت أنه يريد أن يفي بوعده لي بأن يعطيني كتباً من مكتبته.
وانطلق بسيارته إلى منزله، وهناك طلب مني أن أختار ما أشاء من كتبٍ كان قد وضعها في كرتونه على طاولة مكتبه، وغاب قليلا ثم عاد وهو يحمل صينية الشاي كعك الزنجبيل. كنت قد اخترت بعضاً من الكتب، عندما قال لي:
"خذ ما تشاء منها، خذها كلها إن أردت، فأنا لم أعد بحاجة إليها."
شكرته بفرح لا يمتلكه إلا كل من ابتُلي بعشق الكتب والقراءة.. فالكتب تفرحني كلها حتى تلك التي لا تستهويني موضوعاتها. كانت الكتب التي في الصندوق تمثل فكر الدكتور: شيوعية وماركسية، وعن الديالكتيك، وماركس وأنجلز ولينين، والإتحاد السوفيتي والصين، وكتاب واحد فقط في الأدب، هو رواية "الأم" لمكسيم غوركي.. كتبٌ كنت أراها كثيراً على رفوف مكتبات مثل مكتبة "التنبكجي" و"ميسلون".. ولم تكن تشغلني كثيراً لأنني كنت منصرفاً تمام الانصراف إلى الوجودية وأعلامها المؤمنين والملحدين، والمناهضين لها أيضاً، أحاول أن أفهم الصفحات الأولى من كتاب (العدم والوجود) لسارتر الذي رجوت منه أن يهبني فسحة أمل لفهم مشكلة الحرية الضائع، وكنت أرى أن الماركسية لن تتيح لي الحرية التي أنشدها، وأن العدل وحده لا يكفي.May be an image of 1 person and text
وعاد بي الدكتور إلى البيت. صافحني مودعاً وطلب مني أن أخبر زوجته أنه ينتظرها.
في أمسية ذلك اليوم، في غرفتي، انصرفت لساعات اتصفح الكتب، أقرأ حينا، وأقلبها حينا آخر.. ثم رأيتني أتأمل في ثنايا هذه الزيارة القصيرة المدهشة. كان ثمة ما هو أهم من الكتب التي قدمها لي الدكتور أحمد مراد.. وألذ من كعكة الزنجبيل مع كوب الشاي المعطر: إنه التواضع الذي تحلى به الدكتور، والمحبة التي كانت تفيض من عينيه، والإهتمام. الذي اعتدنا أن يكون غائباً بين جيلين ومكانتين. كان الدكتور من معارف والدي الذين تركوا في نفسي انطباعاً طيباً.. كان يخاطبني كصديق، أنا الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من عمره.. وساعدني في تيسير أموري عندما كنت طالباً في السنة الأولى كلية الحقوق (درست الحقوق لسنة واحدة ثم سافرت إلى لندن لأعود وأدرس الأدب الإنجليزي).
أذكر يومها، وأنا أتكئ على كتبه التي وهبني إياها الدكتور، أنني أخرجت من جيبي ليرة سورية وجعلت أنظر بغبطة إلى توقيعه على الليرة السورية: أحمد مراد وزير الإقتصاد.
سياتل 15 أيار 2013
***
(مُعاد نشرها. نشرت سابقاً بعنوان "أحمد مراد" و"الصندوق" والنص الأصلي من ضمن مواد مجموعتي "والله زمان يا شام" ص 124 بعنوان "كان يخاطبني كصديق")
**
(الدكتور أحمد مراد وزير الأقتصاد السوري من ١ آذار ١٩٦٦ لغاية ١٦ تشرين الأول ١٩٦٦، في وزارة الدكتور يوسف الزعين الثانية. ثم وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية من ١٦ تشرين الأول ١٩٦٦ لغاية ٢٨ أيلول ١٩٦٧ في وزارة الزعين الثانية)
****************************
(الصورة المرفقة: الدكتور الراحل أحمد مراد. أرسلتها لي حسب طلبي ابنته الكريمة الأستاذة ناديا مراد)
**
تعليقات منذ سنين:
(تكتب - يا صباح - أدباً، ذكريات عبرت... فإذاً أنت "شاهد عصر" يتسلل إلى النفوس؟
إياك أن تتريّث في نشر كتبك!)
القاص الراحل فاضل السباعي
***
الكتب كنز العقول والمحبة كنز النفوس.
الدكتورة اعتدال عثمان
***
يا سلام على روعة الذكريات وذلك الاسلوب الجميل السهل الممتنع المتدفق عذوبة كجدول صغير تحفه زهور البنفسج.. كم انت رائع يا صباح في ذكرياتك.. لك اعجابي بك ومودتي ومحبتي.
الفنان التشكيلي المهندس محمد حلال
***
كنتُ في غاية الإستمتاع وأنا أقرأ قصتك الرائعة.. عشتها وكأني كنت متواجد معكم.. ذكرتني بالفرح الذي لايملكه إلا كل مهووس بالكتب عندما كنت أذهب لمكتبات دمشق لأشتري كتباً أجنبية متخصصة بالفنون التشكيلية.. وكان الفرح يغمرني وأنا أقلّب صفحاتها وأستمتع برؤية لوحات أعظم مشاهير الفن التشكيلي في العالم..
تحياتي صديقي صباح.. دمت متألقاً مبدعاً كعادتك..

الفنان التشكيلي الصديق الراحل مأمون حمصي