كتب الشاعر محمد علاء الدين عبد المولى

عبد الباسط الساروت سردية وحده. له عندي مكانة لا يأخذها أي سوري مهما كان، شاعرا أم مفكرا أم سياسيا. ربما كان هناك كثيرون نصفهم بالرموز، لكن بالنسبة لي الرمز الأقرب والأكمل هو الساروت.
منذ أكثر من عامين (كاستعادةٍ له) وأنا أقف بتـأنّ وتأمّل وحزن عند كل فيديو للساروت، عند كل نشيد وأغنية وكلمة، لأجد نفسي كل مرة تغرورق عيناي بالدموع وما زلت حتى الآن.
منذ قليل شاهدت خبرا عن بيته في حيّ البياضة بحمص، هذا الحيّ الذي سكنت بالقرب منه بحدود سنتين مستأجرا، لم أستغرب أن يكون الساروت من هذا الحيّ الذي يشبه فقراء سوريا والمهمشين منهم، لكن أصحابَ العزة والكرامة والإباء بكل معنى الكلمة.
جميل أن تكون كلمة (الساروت) من عائلة (السيرة) و(السيرورة) و(المسار).
لقد كان عبد الباسط كل هذه الكلمات في أصدق معانيها.
من المصادفات التاريخية أنني حضرت في المكسيك وفي مؤسسة ثقافية فيلم (العودة إلى حمص)، مترجما للإسبانية، الذي كان الساروت محورا أساسيا من محاور الفيلم. في ذلك اليوم صرت أبكي بصوت مجهش وكدت أختنق من القهر لما أرى.
أما حين استشهد الساروت فقد ابتدأت سيرة جديدة له ولم تنته حكايته.
هذا الرجل لم يكن ثائرا بهدف أن يقال عنه ثائر، ولم يقم بقيادة المظاهرات لكي يقال عنه إنه زعيم مظاهرات، ولم يتاجر بأي تضحية قدمها وتضحياته كثيرة وثمينة، وكان يمكنه بكل سهولة أن يعيش منعما مكرما من عصابة الأسد ومؤسساته الرياضية، لكن الساروت كان يمثل النقاء السوري والفقر السوري النبيل، كان صيغة كاملة من صيغ الحرية الطبيعية الوحشية التي لم يتعلمها في كتاب ولا ندوة معرفية ولا من فيلسوف ولا شاعر. كان المطابقة الكلية بين الروح والثورة، بين الجسد والحقّ، بين الحلم والواقع. كان إيمانه المدهش بالانتصار يعجزني عن الإتيان بمثله حقا. وكنت وما زلت أعجب من قدرته العجيبة على التفاؤل والإيمان! كنت خجولا من عجزي عن ذلك. لقد تجاوز الساروت خيالي وطاقاتي الإيجابية والأمل الضعيف والهشّ عندي.
الآن أعلن أنه كان أصدق مني أنا الشاعر! أنه كان أكثر بصيرة مني! لقد نزف آخر قطرة من دمه وهو مؤمن بالنصر!
الساروت سيرورةُ سيرةِ حريةٍ مقدسةٍ، هو من صلب الواقع تماما، في الوقت الذي بدا فيه وكأنه من عالم الأحلام والخيال.
لم يعش كبطل ولم يسع لذلك، كان أكثر اندماجا مع التعساء والفقراء والأحرار بصورة لم يترك معها لنفسه غير أن يختار حياة وكفاحا وثورة واستشهادا من أجل الآخرين لا من أجله.

الإيثار الذي مثله الساروت فعل معجز حقا. وعلينا أن نتواضع كثيرا أمام حكاية الساروت، فقد ارتفعت حكايته فوقنا وحلقت أكثر مما توقعنا.