نظام الأسد والتشفير الدّلاليّ في القصة السّوريّــة القصيرة
د. أحمد الحسين
عاش الكاتب السوريّ الحرّ مقهوراً ومضطهداً خلال خمسة عقود ونيف، وحورِب بلقمة عيشه، وجُعِل على الهامش بتقصُّد، وحُرِم من التعبير عن رأيه بحريّة؛ فاضطُّرَّ للاتّكاء على الرمز والتشفير الدلاليّ لكي يخفي ما يريد، ومع أن ذلك منح نصوصه قدرة على التوهج الفني، وجنّبه الوقوع في فخّ الخطابة والمباشرة، وتقديم الواقع الفنيّ بوصفه مجازا وتخيُّلاً لا نسخةً عن الواقع الموضوعيّ، إلا أن ذلك لم يكن يتمّ لأسباب فنية بحت بل للتكتُّم على ما يهجس به من دلالة، وما يروم إيصاله من أفكار، وليست قصة زكريا تامر الشهيرة "النمور في اليوم العاشر"، على سبيل المثال لا الحصر، سوى دليل على ما نقول، وهذا ما يحدو بنا إلى طرح سؤال مهمّ : هل كان لقصة تامر ومثيلاتها أن تتخذ الشكل الفني الذي تلبّسته لولم يكن هناك نظام تسلطيّ متوحش اسمه نظام الأسد حال بينها وبين التعبير عما تريد بشكلٍ فنيّ، ولم يكن له علاقة بخوف الكاتب من إظهار الدّلالة التي يتكتّم عليها، أويسعى إلى إخفائها؟
والمفارقة أن الأنظمة الاستبدادية كنظام الأسد وغيره رغم لجوئها إلى القمع والتنكيل بالمبدعين إلا أن ذلك لم يحل دون ظهور نصوص عظيمة أثرت حياتنا الروحية والفنية، ولاتزال تشكل مدماكاً في معمار تذوُّقنا الفنّي والجمالي للرائع والجمالي في الأدب والفنّ.