صوت من البحر

أوس أسعد

أن تكون روائيا وأنت الشاعر، فتلك قفزة مهمة في عالم الأدب والأديب.. وتلك كانت نقلة الشاعر المحامي الصديق رفعت بدران.
وقد لفتني بأنه تمكن من ترك قميص الشعرية جانبا وارتدى ثياب السارد بلغة من يعرف دربه جيدا.. في عوالم السرد دون ان يقع في مطب الغنائية التي قد تحدث شرخا في أسلوب السارد لصالح الشعرية، وهذا الامر قلما يفلت منه سارد كان شاعرا إلا حين ينتبه جيدا إلى طبيعة الجنس الأدبي الذي يكتب به.. وهذا لايعني ان الشعرية تضر بالنص السردي إذا وظفت جيدا، خاصة في زمن تداخل الأجناس الأدبية..
لكن أن تكون طاغية، فربما هنا تقع مشكلتها.. أما شاعرنا السارد هنا، فقد أجاد بمسألة ضبط إيقاع السرد لديه على نبض الحدث وحركة الشخصيات في فعلها فيه أو انفعالها، وكذلك في فرش الزمن كمهاد يغفو عليه المكان كما تغفو الأحداث وحبكتها بشكل أفقي دون أي لعبة فنية توحي بتداخل الأزمنة والأمكنة إلّا أحياناً بعض لفتات من الفلاش باك التي استرجع بها بعض صفات الشخصية التي توجت الحدث باستشهادها في الحرب، وهي شخصية واقعية أراد الكاتب أن يوثّقها بطريقة ما في ذاكرة البيئة الجمعية، فهي لم تعد تخص بيىة محددة بمقدار ماتمثل قيمة وطنية عامة باستشهادها البطولي الذي يمكن اعتباره مثالا تربويا للأجيال التي فقدت الكثير من معايير التمييز بين نبالة القضايا الكبرى وغثاثة الموت المجاني الذي خلقته الحرب القذرة، بحيث تكاد المعايير أن تذوب بين أصحاب الحقوق وبين مرتكبي الجراىم تحت تسميات مختلفة...
وكان لبراعة الوصف لدى الكاتب ميزته في نقل مشهدية الأحداث وكأنها تدور أمام القارى بمرآة عاكسة حيوية الإسقاط، بحيث يرى الحدث ينبض بالحياة أمام عينيه..
ومع أن الكاتب أطال في التمهيد لحدث الاستشهاد حتى ظننا بأن الموضوع بعيد تماما عن النهاية التراجيدية، ملخصا لحياة شاب يتنقل من بيئة ريفية جغرافية قاسية إلى بيئة المدينة ليكمل تعليمه الجامعي فيها وحسب، ويكتفي بتسطير ما يصادفه من ظروف وتحديات... لكننا نراه ينتقل ضمن التوصيف الأفقي الزمني السردي ذاته إلى موضوع اخيه الشهيد الذي خطط لزيارته حاملا صندوق العنب من إنتاج الضيعة.. ليفاجأ بأن الوضع متأزم جدا وأنه بعث بمهمة قتالية لم يعد منها.. وقد كان تواقا لمثل هذا الأمر طيلة حياته العسكرية.. وقد افتدى رفاقه بدمه كما رووا بأنفسهم وهم يرقدون في المشفى بسبب الجراح الكبيرة التي أصابت أجسادهم، بينما هو توزعت أشلاء جسده على مساحات واسعة من الماء... هكذا استشهد الشاب البحري في الحرب وسطر ملحمته الخاصة في سجل الخلود لتبقى ذكراه فخرا يزين سجل العائلة والوطن تلك الذكرى التي تنتصر للكرامة العربية السورية بعد هزيمة حزيران المدوية التي ظللت بمناخاتها السوداوية روح العروبة لسنوات.
هنيئا للشاعر الصديق إنجازه السردي الجديد..