أحمـد م. أحمـد علــى ضفـاف العبَــث والمستحيل
أحمد عزيز الحسين
لا يترك لك "أحمد م. أحمـد" الفرصةَ لتقتربَ منه، أو تبذلَ جهداً لتعرفه عن كثبٍ بل يتعاملُ معكَ فوراً على أنّكَ صديقٌ قديمٌ، ويكسرَ حاجزَ الغربة بينك وبينه، ولا يكتفي بتقديم فنجان قهوة لك لتحتسيَهُ، ثم تغادرَ منزله بسرعة كما دخلتَهُ بل يصرّ عليك كي تشرب معه كأساً من الفودكا أو النّبيذ الفرنسيّ، أو ما شاكل ذلك في مخمرته العامرة بأفخر المشروبات، وأنتَ لسْتَ حُـرّاً في المغادرة بعد دخولكَ إلى عشّه الدافئ بل عليك أنْ تستنيمَ لطقوس ضيافته، وأن تحتسيَ معه الكأسَ الذي يرغب به، وتنعم بأخباره، وتعرف كيف تواصَل مع هذا الفنّان أو ذاك الأديب، وكيف أرسل إلى أدونيس آخر لوحةٍ أنجزها، وسوف تخوض معه في رحلته الأثيرة إلى الولايات المتّحدة، وتعرف كيف التقى هناك بأسماء ومشاهير عرب وأجانب، منهم خالد خليفة، وخالد جبيلي وغيرهم من أساطين الأدب والتّرجمة.
وحين تغادر ركنَهُ الدّافئَ بعد جلسةٍ حميمةٍ سوف يُحمِّلك ما لذّ وطاب من ترجماته ومؤلَّفاته ومنشورات داره العامرة (أرواد) التي لا تزال تجاهد كي تستمرّ بالوقوف على قدميها حتّى بعد عقود من تأسيسها، لأن أحمـد لم يجعلها محور اهتمامه بل أبقاها مُتنفَّساً لأصدقائه، ومن يرغبون في التّخلُّص من عبء نشر كتاب في الفضاء البيروقراطيّ السّوريّ.
ولأنّ أحمـد يعيش حياةً أقرب إلى البوهيميّة، والمُجاقَرة مع القطيع، ويقترب من حدود العبَث، ويُلامِس ضفاف الحُلُم واللامعقول فهو لا يكترث بما كتبه، ولا يقف طويلا عنده بل يسعى إلى تجاوُزه فور نشره؛ ولذا فهو دائم التّغيير للون جلده النّصّيّ، ومع أنّه بدأ قاصّاً نزقاً، ونشر مجموعة قصصيّة هي "جمجمة الوقت" أتاحت له أن يكون قاصًّا حداثيًّا واعداً إلا أنّه ما لبث أن غادر فضاء القصّة، وشُغِف بإنتاج نصوص جديدة بوسعك أن تضعها في خانة قصيدة النّثر، وإنْ كان من الممكن أن تُدرِجها في حقل النُّصوص التي تنتهك حدود الجنس الأدبيّ، وتقوّض أعرافه النّصيّة المستقرّة دون مشقّة.
وقد حقّق أحمـد م. أحمـد من المجد والشّهرة الرّفيعة ما جعل دور نشر عربيّة معروفة تحرص على التّعاقُد معه لترجمة بعض ما تنشره من كتب لها قيمةٌ أدبيّةٌ وفنيّةٌ كبيرة كدار السّاقي في لندن، ودار المدى في بغداد، ودار الآداب في بيروت، وحينَ لا يستجيب بعضُها لشروطه الجماليّة، أو يتلكّأ في الاستجابة لها فإنّ أحمـد يُدِير ظهره إليها غيرَ مكترثٍ بعروضها الماديّة السّخيّة؛ لأنّه لا يستطيع أن يتخلّى عن نزقـه، وهُويّتـه، ونشدانه للحريّـة، حتّى وهو يُترجِم.
وقد زادتْ ترجماتُ أحمـد عن ثلاثين كتاباً في شتّى حقول المعرفة والثّقافة والفنّ، ويكفي أن تعرف أنّه ترجم كتباً لبورخيس، و مانغويل، و تشارلز سيميك، وبول أوستر، وغيرهم من أساطين الأدب والفكر والفنّ في عصرنا لتدرك أنّه ظلّ يسعى بدأب إلى القمة، ويناوش حدود الحلم والمستحيل ما وسِعه ذلك.
"أحمـــد م. أحمـد" أنتَ إضافـةٌ خلّاقــة إلى حياتنا الوجدانيّـة والثّقافيّـة، ونحن نعتزّ بوجودك ناشطًا وأديبًا ومترجمًا كبيرًا بيننا.