كريم العراقي بين مضر ابراهيم وهلال عون

كتب (مضر إبراهيم)، عن الشاعر العراقي "كريم العراقي" الذي رحل في 1 أيلول 2023 عن دنيانا:
لو بقي كريم العراقي يكتب مثل قطعة الروعة والجمال (يا أمي يا أم الوفا) العظيمة لظل ذلك الإنسان الجميل، والعراقي الأصيل الذي يكتب بفطرة لسانه وبيئته دون أن يتحول إلى ميدان يعرف أنه غير أهلٍ له، ثم ينساق في ذلك الشعور الواهم بأنه "شاعر فصحى".. خصوصاً أن لسانه العراقي ولهجته الجميلة كانتا كافييتين ليمر إلى قلوب العرب جميعهم.
إنسانياً هو صار بين يدي الله، نترحم عليه بكل الحب، وندعو له أن يسكنه فسيح جناته.. لكن شعرياً ثمة ما يجب أن يقال، ولو أن المقام مقام حزن لغيابه إنساناً جميلاً، فاللغة أهم من كريم، ولها علينا حق كبير أن ننصفها قبله.
كريم ليس شاعر فصحى.. هو شاعر عامية جميل، حاول تجريب الشعر الفصيح، بأداء صوتي وإلقاء بارع، لكن بكلام بائس ورثّ سمّي شعراً بقوة الشعبوية اللغوية.. ولم تكن مصادفة أن تنال قصيدته الأسوأ كل ذلك الانتشار الطاغي في زمن غياب عمالقة النقد، وعمالقة الغناء العربي الذين كانوا يجتمعون (مطربين وملحنين وشعراء) على حرف واحد، أو كلمة واحدة في القصيدة للنقاش والتداول في أمرها كي تخرج الأغنية أيقونة مضبوطة في الوزن والمعنى لا تشوبها شائبة، ولا يعيبها عيب. وحين كان يحصل خطأ لم يكن ليسلم أحد من النقد كما حصل مع أم كلثوم حين استبدلت (نعم) بـ(بلى) في قصيدة (أراك عصي الدمع) لأبي فراس الحمْداني، وبلى هي جواب الإثبات للسؤال المنفي الذي قاله أبو فراس في البيت الأول (أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟).
(لا تشكُ للناس..) هي مثال انحطاط الشعر المستهلك، اجتاحت وسائل التواصل، ونالت استحسان الجمهور في زمن اللارقابة على شيء، ثم نال كريم جائزة الأمير عبد الله الفيصل عام 2019، ليكتمل مشهد ابتذال القصيدة بأن تغنيها أصالة، بعدما غنى كاظم كل قصائد كريم العراقي المكسورة الأخرى بألحان تضيع فيها الهوية على تخوم النثر والشعر.
اشتهرت القصيدة، لفرط ما تحدث كريم فيها عن المظلوميات والإحساس بالخيانة، وهما الموضوعان اللذان سيظلان جواز سفر كل نجاح واهم في عالم الغناء الذي يدغدغ حال المراهقين والخائبين والمحبطين..
ويستطيع أي مختص أن يحصي على الأقل عشرين خطأ في الوزن، ناهيك عن الأخطاء النحوية الكارثية فيها بصوت كريم نفسه.. ولعل البيت الوحيد السليم وزناً ولغة في القصيدة (لا تشكُ للناس جرحاً أنت صاحبه..) هو البيت الذي لم يقله كريم، بل اقتبسه اقتباساً، وضمّنه القصيدة آتياً به من عيون الشعر العربي القديم والعظيم.
انظروا هذا البيت الذي لا يمر على أذن سليمة:
(كن فيلسوفا تر أن الجميع هنا
يتقاتلون على عدم وهم عدم)
ثم هذا البيت:
(عدالةُ الارضْ مذْ خلقتْ.. مزيفةُ
والعدلُ في الأرضِ.. لاعدلٌ ولا ذممُ)
ثم هذا البيت الكارثة الذي يصل شطره الثاني إلى قاع الإساءة للشعر والوزن الموسيقي واللغة:
(كل السكاكينْ صوب الشاةِ.. راكضةٌ
لِتطُمئنُ الذئبَ.. إن الشملَ ملتئمُ).
أنا من محبي كريم العراقي الإنسان، والشاعر العامي، لكن الغيرة على أجمل ما صنعه الله في اللغة العربية - والشعرَ أعني - تجعلني أكتب عنه اليوم، لأنعاه إنساناً، وشاعراً شعبياً جميلاً ليس إلاَّ.
رحمه الله.
…………………………
فكتب الأديب والصحفي هلال عون التعليق الآتي:
أود ان أنقل حادثة صغيرة حدثت معي وكنت طالبا في السنة الجامعية الأولى، حين قدّمت نصا شعريا مؤلَّفا من 12 بيتا، لاستاذي المرحوم د. "عبد الكريم حبيب"، وهو شاعر جميل.
قلت له بكل احترام ومحبة: أريد رأيكم دكتور.
اطَّلَع - رحمه الله - على النص بشكل سريع بحضوري، وأعتقد انه وصل الى البيت السابع وتوقف عن القراءة، ثم نظر إليّ وقال: "الوزن مكسور في هذا البيت.. اذهب واقرأ شعر العصر الجاهلي، وشعر العصر العباسي.... ثم حاول من جديد!".
وعندما حاولتُ مناقشته، قال لي:
"عندما يكون (الشعر ) مكسور الوزن، يمكنك أن تسميه ما شئت إلا شعرا".
أستاذ مضر، كان هذا موقفه رغم أن الكسر يتعلق بإشباع في غير موضعه.
رحم الله حاتم العراقي..

و لك الشكر لهذه الغيرية على منع تشويه أجمل ما أنتجه الوجدان العربي.