قراءة في كتاب "تهويمات بلون الشجر" لجمانة طه

جهاد جديد

في نصوص الكاتبة جمانة طه "تهويمات بلون الشجر" نتوقف قبل الشروع بالقراءة عند العنوان الذي يفتح بجرس إيقاعه الهامس وأبعاد دلالاته وايحاءاته أبواب الشذرات المورقة والمزهرة، التي ترصد بفضول حسي ومعرفي وإبداعي معاناة عشق غير مألوف. فالشجر في هذه التهويمات ملون بالحرمان الموجع واليأس المفجع. فالغصن النَديّ الأخضر تيبّس وصار باباً جامداً، وعبر نوافذ هذه الشذرات الجديدة والمُغامِرة حاول أن يصير إنساناً في عينيّ فتاة جميلة فأخفق.
هي مغرمة بشاب من لحم ودم، وهو جماد أَنْسَنتْهُ هذه النفحات الشعرية وجعلته يُحِبُّ ويتشهى ويلتاع ويئن.
توزعت التهويمات
على مائتين واثنين وثلاثين نصًا، في كل نص وبرغم قلة الكلمات كثافة وأحاسيس وجدانية وجسدية واجتماعية، تُدخل القارئ في آفاق التأمل والتخيل وقد تطير به الرؤية أو الرؤيا إلى أجواء علوية أو تنزل به إلى بؤر حسية
فينسى الشجر والغصن والباب لكنه لا يستطيع أن ينسى الجسد اللدن الذي يثير شهوة الجماد. التهويمات كلها عبارة عن سلسلة وجدانية غنية بإيحاءات لا نستطيع الإمساك بتفاصيل مراميها ولا نستطيع الإفلات من مؤثرات سحرها. هي بحق رؤى لا تخضع لمنطق أرسطو ولا لحكمة "سوفوكليس"
إنما تقارب بوعي وحذر نرجسية "سافو" وتنأى عن نوازعها المثلية، ثم تقارب جنسانية "إيروس المزلزلة لقلاع الفضيلة والحصانة لكنها لا تلبث أن تتحرر من إسار الشهوة وحمّى الشبق
مؤثرة التفيؤ تحت ظلال شجرة "فينوس" ذات الأزهار العطرة والقطوف الدانية.
ألا نستطيع اعتبار هذه العودة إلى أساطير الحب عند الأولين فسحة أو فرصة ترضية للباب الذي أغلقت حواء في وجهه ألف باب وباب؟
هذه الصبية الإنسية الشهوى التي علق بها الباب لا تشعر بوجوده، تغلقه حين تشاء
وتفتحه حين تشاء غير مبالية بوقوفه المضني في "أرض شققها الظمأ وغاض الماء بين الصلب والترائب". باب "يستعذب الرضاب حين تخونه الفضيلة، ويطمح أن يتمرجح بين نهدي الحبيبة. فتدفعه وتغلقه، ولا تسمح له أن يصب نسغه في مجراها. هذا العاشق المعذب الذي يتكئ على شغفه ويهجس بها وهي تهجس بحبيبها، يتوق إلى لمسة من يدها لينتفض من خشبه شابًا كما في الأساطير.
ولكن أنّى له ذلك وهي غير عابئة به وبقلبه النابض المدنف.
الباب العاشق مغلق، واليأس عنده يبلغ مداه:
"تعيس أنا.. فقد
دقت الساعة وحان الأوان. روحي ستغادرني والدموع في عينيّ لن تجف. زواجها مَهّد لموتي..
هل أخلع جسدي من مفاصلي وأغادر.. ليتني أستطيع!".
هذه التهويمات المكثفة الموحية نثرت تباريح ومكابدات العشق المبذول أو المقموع، وتميزت بجدتها وغرابة مدارها وابتعادها عن المراقبة والوصاية. هي موجات بوح متتالية ومتناغمة تُسمع أغانيها وأصداؤها في فضائها الواسع المزروع بالرموز الذكية والشفيفة.
هي ليست تهويمات ضالة أو حائرة، وإنما هي رؤى نابعة من معين زاخر بثقافة مترفة ومستشرفة تجاوزت أوابد الموضوعات التقليدية وأساليبها الجامدة. فالأصوات ليست كلمات معجمية محدودة المعاني، هي أرحب وأعمق وأغنى، تشعّ وهجاً وضوءًاً وتقطر ندىً وعطراً، وكل هذا بلون الشجر.
الأسبوع الأدبي