الصعلوك بمعنى الفقير المحتاج

محسن سلامة- فينكس:

في مناطق خصبة بالمال والنوق والماشية من الجزيرة العربيّة وُجِدَتْ فئةٌ من الفقراء الصعاليك الذين خلقتهم الصحراء خلْقاً قويّاً، اشتعلت في نفوسهم نار الثورة العفويّة بسبب الاختلال الاقتصاديّ في سوء توزيع الثروة بين الناس، وعدم تقدير المجتمع لهم، والنرعة المستعلية عند الأغنياء، والتمايز الطبقيّ، و أخلاق القبيلة المتحجّرة المتزمّتة، ممّا أدّى ذلك إلى فقدان التوازن الاجتماعيّ. دفعَ بالفقراء إلى سلوك صراعيّ في مواجهة النظام القبليّ الذي لم يحقّق لهم طموحهم فانفجرت ثورتهم ينتقون طرق قوافل الأغنياء لينقضّوا عليها.
بعض هؤلاء الصعاليك كان من الخلعاء الذين طردتهم القبيلة، ترسل القبيلة منادياً يشهد على خلعهم، و كأنّهم مجرّدون من الحقوق المدنيّة كما نقول اليوم مثل حاجز الأسديّ و أبي الطمحان القيسيّ.. وبعضهم كان من الأغربة السود من أبناء الحبشيّات والإماء ولم يعترف آباؤهم بهم مثل عنترة بن شدّاد، السليك بن السلكة، تأبّط شرّاً، الشنفرى.. وبعضهم كان من الأحرار يمثّلهم عروة بن الورد..
كانت تموج أنفسهم بثورة عارمة على الأغنياء، شقّوا طريقهم بالقوّة نحو حياة حرّة كريمة، كان شعارهم: نكون أو لانكون.
بدأت ثورتهم عفويّة غير منظّمة وفرديّة كردة فعل على الأوضاع الجائرة، لكنّها في أواخر العصر الجاهليّ تحوّلت إلى حركة منظمّة ذات نزعة إنسانيّة نبيلة على يد عروة بن الورد، وفي شبه معسكرات داخل الصحراء.
كان الشاعر الفارس عروة بن الورد القائد لهذه الشريحة الاجتماعيّة، رأى في الصعلكة ضريبة يدفعها القويّ للضعيف، والغنيّ للفقير، وفكرة اشتراكيّة تشرك الفقراء في مال الأغنياء، وتحقّق لوناً من ألوان العدالة الاجتماعيّة، كانت الأموال سواء الماشية أو غيرها مكدّسة عند مجموعة قليلة من الأغنياء.
وها هو عروة يقول في رجل غنيّ طعامه الكثير له وحده لا يشرك فيه أحد، بينما عروه ما يجمعه من طعام في الغزو يشرك فيه جميع فقراء مجتمعه:
إنّي امرؤ عافي إنائي شركة ....... وأنت امرؤ عافي إناؤك واحد
وكان هذا القول أّوّل نظريّة عفويّة عن مفهوم الاشتراكيّة عند العرب
وهكذا يكون عروة في قوله، عافي إنائي شركة، أوّل رجل في التاريخ قال بفكرة الشركة في المأكل بين البشر، ومن هنا انبثقت كلمة الاشتراكيّة.
كان عروة يخرج بالأقوياء من الصعاليك إلى اقتناص لقمة عيش الفقراء من مال الأغنياء، والتجّار، (المواشي، والنوق) ويوزّع تلك الغنائم بالتساوي على الفقراء، فسمّي: عروة الصعاليك، كان بحقّ يمثّل شخصيّة الزعيم الذي آمن به الفقراء،
يشعر بأنّه عليه واجبات وحقوق لأقربائه الفقراء من قبيلته والضعفاء من كلّ القبائل، يغزو من أجل الوفاء بحقوق هؤلاء جميعاً، جمع الفقراء في شبه معسكرات يخرج بالأقوياء منهم أسماهم فرقة العيال، فيقول:
ومن يكُ مثلي ذا عيال ومقتراً ........ من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
كان لايردّ على امرأته التي تخاف عليه من القتل أو الأسر، فكان يعصاها ويقول لها: هؤلاء الجياع أمام خيمتي بانتظار من يغيثهم وينطلق بهم:
أرى أمّ حسّان الغداة تلومني ...... تخوّفني الأعداء والنفس أخوف
فإنّي لمستاف البلاد بسرية ......... فمبلغُ نفسي عذرها أو مطوّف
و يقول لها في مكان آخر:
دعيني للغنى أسعى فإنّي ...... رأيتُ الناسَ شرُّهمُ الفقيرُ
هذه القصّة تشير بوضوح إلى أنّ عروة يمثّل شخصيّة الزعيم الذي آمنت به جماهير الفقراء ذلك الزمان، ولقد أنصفه الخليفة عبد الملك بن مروان حين قال: من زعم أنّ حاتماً أسمح وأكرم الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
قال عروة يسخر من صعلوك خامل جبان، همّه أن ينال لقمة من فتات مائدة تساقطت من فضلات الموسرين، لايهمّه أهله ولا عياله، وعروة يريد من هذه السخرية أن يحضّ هؤلاء إلى اقتناص لقمة العيش الكريمة:
لحى الله صعلوكاً إذا جَنَّ ليلُه ..... مضى في المُشاش ألفاً كلّ مَجْزَر
كان الأجدر بهذا الصعلوك الجبان الانضمام إلى الصعاليك الفرسان بأعمالهم المجيدة كأنّهم شعلة من نار:
ولله صعلوكٌ صفيحة وجهه ..... كضوء شهاب القابس المتنوّر
فذلك إن يلقَ المنيّة يلقَها ....... حميداً و إن يسغنِ يوماً فأجْدِرِ
قال عروة في غنيّ يسخر هذا الغنيُّ من نحول الشاعر وضعفه وهزاله، وعروة يسخر من بدانته التي اكتنزها من مال الفقراء:
أتهزأُ منّي أنْ سمنْتَ، و أنْ ترى ....... بجسميَ مسّ الحقِّ والحقُّ جاهدُ
أفرّقُ جسمي في جسومٍ كثيرة ......... و أحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ
فالشاعر نحيف لأنّه يفرّق طعامه على فقراء كثيرين حتّى أنّه لم يبق له ما يأكله.
مات عروة عام 616م.
كانت تتردّد في أشعار الصعاليك صيحات الثورة العارمة على الأغنياء والبخلاء، وعزّة النفس لا يتذلّلون لأحد فأرض الله واسعة في وجه الكريم، قال الصعلوك العدّاء الشنفرى:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ....... وفيها لمن خاف القِلى متعزّلُ
احترف الشنفرى الصعلكة وحيداً باعثاً الرعب في الأغنياء، كانت الخيل لا تلحقه لعدوه الشديد، وضُرِبَ به المثل، وهل أعدى من الشنفرى؟! كانت وثبته الأولى إحدى وعشرين خطوة، أُطلق عليه الشنفرى لعظم شفتيه، اسمه ثابت بن أوس الأزديّ، كان صبوراً على الجوع يفضّل أكل التراب على أن يتفضّل عليه إنسان غنيّ، يقول:
وأستفّ تربَ الأرضِ كي لا يُرى له ..... عليّ من الطول امرؤ متطوّل
حتّى بات يفضّل العيش مع الوحش من ذئاب وضباع ونمور، فهم الأهل قد يجد عندهم العطف والتعاون أكثر ما يجده عند بني جنسه من البشر، فقال في لاميته التي تُرجمت إلى كلّ لغات العالم:
ولي دونكم، أهلونَ: سيدٌ عملّسٌ ..... وأرقطُ زهلولٌ وعرفاءُ جيألُ
هم الأهلُ لامستودع السرّ ذائعٌ ....... لديهم ولا الجاني بما جرَّ يُخذَلُ
سيد: الذئب، العملّس: القويّ الشديد السير، الأرقط: صفة النمر، عرفاء: الضبع طويلة العرف، جيأل: من أسماء الضبع.
خمدت ظاهرة الصعلكة مع قدوم الإسلام الذي ألغى النظام القبليّ القائم على العصبيّة، وألغى التفرقة بين الأسود والأبيض، وأشاع فكرة الأمّة الواحدة، وألغى فكرة الخلعاء فالدولة الجديدة هي صاحبة هذا الحقّ لا القبيلة، وكان للفقراء نصيب من زكاة المسلمين تؤخذ من الأغنياء وتوّزّع على مستحقّيها، و لكن شهد التاريخ العربيّ فيما بعد صوراً لظاهرة الصعلكة و إن بأشكال وأسماء متعدّدة.