الكعب العالي- ح1

علي بدر- فينكس:

يعدد الشاعر الفرنسي بودلير حبيباته الراقصات ويقف عند الأخيرة، لانها تمحو الحدود بين البلدان وتقف مثل الآلهة بفستان أسود وكعب عال. في رائعته البحث عن الزمن المفقود يصف بروست بطلته ألبرتين بأعظم الأوصاف لكن الكعب العالي نسبة له هو الذي يقرب المرأة من الآلهة. هكذا تملأ الباريسيات الأنيقات المترو ومقاهي الشانزليزيه بأحمر الشفاه والكعب العالي منتصبات الظهر كما لو يمشين على أطراف الأصابع مثل بطلات أفلام غودار... شوارع مظلمة مطر خفيف وصوت الكعب العالي على الأرض... كلاك كلاك كلاك كلاك...
في عام 1962، رسمت الكاتبة والشاعرة سيلفيا بلاث صورة لزوج من الأحذية الجلدية السوداء ذات الكعب العالي. لم يتم التأكد أن هذه كانت أحذيتها الشخصية أم لا، كتبت تحتها قبل انتحارها زوج من الأحذية البالية هو صورة لمن يرتديها.
لا يقتصر الأمر على أصابع القدم والكعوب التي تبلى بسبب المسير في الشوارع وعلى الارصفة إنما حكايات التلف والإصلاح، شكلنا ووظيفتنا ونوعنا. يقول سافكوس ان الاحذية هي زينتنا بالمعنى اليومي والمسرحي.
و لأن القصص التي ترويها الأحذية تدور دائماً حول الحياة العامة، يجب أن تكون أيضًا عن المكانة والسلطة أو الافتقار إليها. في طبعة 1977 من كتاب The Woman's Dress for Success للكاتب جون تي مولوي وهو مستشار الملابس الأكثر شهرة في أمريكا يخبرنا بكتابه ما يجب أن ترتديه النساء ولماذا، مقدمته بعنوان "الأخطاء التي ترتكبها النساء وكيفية تصحيحها". ما يلي في صفحة 187: نصيحتي للمرأة ألا ترتدي ملابس مثيرة، بل عليها دائمًا لبس الكعب العال، لانه يجعل الزملاء والعملاء يأخذونها على محمل الجد. ينطلق الأدب الذي يكتبه الرجال من قاعدة ان الكعب العالي هو رمز من رموز الأنوثة ويجعل المرأة قابلة للتودد والمغازلة كما تقول ليديا شانون، بينما تحتج الكثير من النسويات بوصف هذه الآلة هكذا يسمينها أداة من أدوات التعذيب. وحتى أنوثتها فهي أنوثة مفروضة.
أشعلت بعض اللقطات في الجوراسك بارك من أفلام سيبيلبرغ المظاهرات النسوية في عموم اوربا احتجاجا على وضع البطلة وهي تركض على أرض وعرة بالهاي هيلز بالكعب العالي حيث تطاردها الديناصورات وهي تسقط وتنهض كل مرة.
لم تعرف أغلب النساء أن الكعب العالي هو من موديلات الرجال طوال القرن السابع عشر والثامن عشر كان احد موديلات الرجال الأكثر اهمية، نقله المبعوثون الفرس الى أوربا زمن الشاه عباس، وعم البلاطات الأوربية ومن ثم سلاح الفرسان، لكن تراجعت شعبيته بعد معركة واترلو حيث خسر الكعب العالي الفرنسي لجيوش نابليون امام بساطيل الشعب الروسي الممزقة كما صورها تولستوي في رائعته الحرب والسلام. وذهب بشكله النحيف والطويل كما ارتدته جولي روبرتز في فيلمها الشهير برتي ويمن وهو من شركة غوتشي الإيطالية، أشهر كعب عال في السينما. لكنه بقي يظهر في موديلات الرجال من وقت الى وقت، ظهر مع ملابس الكوبوي في الغرب الأميركي، لانه يمنع القدم من الانزلاق من الركاب، وظهر في الستينيات والسبعينيات مع البيتلز حين ارتدوا الحذاء بلونين مع كعب عال، وقد جربه كل شباب العالم ذلك الوقت حتى الشباب العراقي.
لم يفارق الرجال الكعب العالي ولكن بشكله السميك ولا سيما مع راقصي الفلامنكو والتانغو وحتى السالسا والباتشاتا من رقصات أميركا اللاتينية عكس الكعب العالي للمرأة بشكله النحيف الذي عده فرويد علامة من علامات الجنس. فهو الجاذب الأكبر للفيتشيين.
كان جيمس لويد مغتصب احذية روثرام ذات الكعب العالي هو الأكثر شهرة، صورة المغتصب الكلاسيكي الذي يبحث عن امرأة بكعب عال عائدة الى منزلها في الليل مخفي الوجه وبسلاح، بعدها يسرق حذاءها ويهرب، ضبط في منزله اكثر من 136 زوج احذية بكعب عال، مع ان المبلغات عنه ست نساء فقط. ينظر إلى المرأة دائمًا على أنها تقول شيئًا ما بملابسها، بطرق لا يفعلها الرجل. يبدو الأمر كما لو، عندما يتحدث رجل إلى امرأة غريبة في الشارع، فإن تنورتها القصيرة أو حذائها بالكعب العالي هي التي تتحدث.
الكعب العالي منتشر في كل مكان بالزي العملي والملابس الرسمية، لكن الأحذية المحترمة نفسها في غرفة الاجتماعات تُقرأ فجأة على أنها علامة على الاغواء في مكان آخر، في السهرة أو في الشارع المظلم مثلا. تقول نعومي وولف في كتابها The Beauty Myth أن التصريحات التي تدلي بها ملابس النساء يتم قراءتها بشكل خاطئ بشكل متعمد. هذه منطقة غريبة وخطيرة، حيث يتم تفسير أنماط مختلفة من الملاب والأحذية بالكعب العالي على أنها لغة جنسية يجب الاحتياز عليها او قمعها.