د. بهجت سليمان: سلسلة العظماء.. السّيّد حسن نصر الله

{سلسلة  العظماء}

ـ 13 ـ

[السّيّد حسن نصر الله]

إسمه الكامل: حسن نصر الله عبد الكريم نصر الله ، ولد في (31)آب – أغسطس عام (1960)؛ في بلدة (البازورية) الجنوبية الّلبنانيّة القريبة من مدينة (صور)؛ (10كلم، شرقي مدينة صور)؛ في أسرةٍ فقيرة.

و (السّيّد حسن) هو الأكبر سناً في أسرة الأهل المكوّنة من ثلاثة أشقاء و خمس شقيقات.‏‏ و هو متزوج و "ربّ أسرة"منذ عام (1978م)، و له خمسة أولاد. استشهد إبنه البِكر (هادي نصر الله) في "مواجهة عسكرية" مع "الجيش الإسرائيلي العدوّ"، في "جنوب لبنان"، في العام ( 1997م).

اضطر و هو صغير و بسبب ضيق حال العائلة و انعدام فرص العمل في بلدته الجنوبية، التي كانت تشكو كغيرها من قرى و بلدات المنطقة من الفقر و الإهمال و الحرمان، للنزوح مع عائلته إلى مدينة (بيروت). و هناك أقامت العائلة في منطقة (الكرنتينا) أحد أكثر الأحياء فقراً و حرماناً في الضاحية الشرقية لبيروت؛ و هناك تلقّى دراسته الابتدائية في مدرسة "الكفاح" الخاصة، و تابع دراسته "المتوسطة" في مدرسة "الثانوية التربوية" في منطقة (سن الفيل)،‏‏ في أطراف العاصمة الّلبنانيّة (بيروت). وساعد في طفولته والدّه (عبد الكريم نصر الله) في بيع الخضار و الفاكهة.

أبدى (السيد حسن) اختلافاً مبكّراً عن أقرانه و أترابه؛ فلم يكن يشبه أولاد الحيّ الآخرين. كان هؤلاء الصبية يلعبون "كرة القدم"، و يذهبون الى البحر أو النهر للسباحة؛ أما هو فكان يتردد إلى "المسجد" في (سن الفيل)، (برج حمود) أو (النبعة)، لعدم وجود مسجد في (الكرنتينا).‏‏

عندما اندلعت "الحرب الأهلية" في (لبنان)، [عام (1975م)]، رجع (حسن) مع "العائلة" إلى بلدته (البازورية) في "الجنوب"؛ و هناك تابع دراسته "الثانوية" في مدرسة "ثانوية صور الرسمية للبنين".

خلال وجوده في (البازورية)، من جديد، التحق (السيد حسن نصر الله) بصفوف "حركة أمل الشيعية"، التي أسسها "الإمام (موسى الصدر)"؛ و كان خِياره يبدو غريباً، حينها، عن "التّوجهات السّياسيّة" لأبناء "البلدة"، التي كانت تأخذ الطابع "الشيوعي" أو "الماركسي"، و ذلك لكثرة "الشيوعيين" الموجودين فيها أبّان ذلك الوقت؛ ثم أصبح (السّيّد) "مندوب حركة أمل" في بلدته (البازوريّة)؛ و أبدى منذ حداثته اهتماماً خاصاً بالدراسة الدينية متأثراً بثقافة الإمام (السّيد موسى الصدر).‏‏

تعرّف خلال فترة تواجده في "جنوب لبنان" على إمام مدينة (صور)، (السّيّد محمد الغروي)، الذي ساعده في السّفر إلى (العراق) و في ترتيب التحاقه بـ "الحوزة العلمية" في "النجف الاشرف"، و كان ذلك في أواخر العام (1976م).

غادر ( السيد حسن نصر الله) الى "النجف الأشرف"، في (العراق)، و معه "رسالة تعريف" و "توصية"، من (السّيّد الغروي)، الى "المرجع الدينيّ" "الإمام الشهيد السيد (محمد باقر الصدر)"، الذي أبدى "اهتماماً ملفتاً" به، و كلّف (السّيّد عباس الموسوي) "مهمة" الإشراف على "الطالب الجديد" والعناية به على المستويين "العلمي" و "الشخصي". 

ابتداءً من هذه اللحظة فإن الصداقة ستكون قوية و متينة ستقوم بين الرجلين (السيد عبّاس الموسوي و السيد  حسن نصر الله)، الذين كتبا فصلاً  هاماً من تاريخ (لبنان) الحديث، عبر مساهمتهما في إنشاء و تأسيس "حزب الله اللبناني" عام (1982م) خارجاً عن "حركة أمل".

أمّنتْ هذه الأجواء لـ(السيد نصر الله) الفرصة لإنهاء "علومه الدينية" في فترة سريعة نسبياً، حيث أنهى "المرحلة الأولى" بنجاح في العام (1978م).

في عام (1978م)، عاد (السيد حسن نصر الله) من  العراق  إلى لبنان، "متخفياً"، متوارياً عن أنظار "النظام العراقي"، نظراً لحالة الجور و الاضطهاد التي مورست ضد "الحوزات الدينية" (علماءً و طلاباً).

بوصول (السيد حسن نصر الله) إلى (لبنان) التحق بـ"الحوزة الدينية" في (بعلبك)؛ و هناك تابع حياته العلمية معلماً و طالباً، إضافة إلى ممارسته "العمل السياسي" و"المقاوم" ضمن صفوف تنظيم "حركة أمل"، "الشيعية"، التي كانت قد بلغت أوجها في ذلك الحين. و بفضل "قوة شخصيته" و "متانة عقيدته" و "صدق التزامه" و "إخلاصه"..، فإن ذلك "الشابّ"، الذي كان بالكاد قد بلغ "العشرين" من عمره، استطاع الوصول سنة (1979م)،‏‏ إلى منصب "مندوب الحركة" في (البقاع)؛ و صار "مسؤولاً سياسياً" في "منطقة (البقاع)"، و "عضواً" في "المكتب السياسي" لـ"حركة أمل".

في عام (1982م)، انسحب (السيد حسن نصر الله) مع مجموعة كبيرة من "المسؤولين" و "الكوادر" من "حركة (أمل)"، إثر خلافات "جوهرية" مع "القيادة السياسية" لـ"الحركة" آنذاك، حول "سبل مواجهة التطورات السياسية و العسكرية" الناجمة عن "الاجتياح الاسرائيلي للبنان".

هنا كانت البداية الأولى لظهور "حزب الله" اللبناني، حيث بدأ هؤلاء "الشباب" بالاتصال برفقائهم "الحركيين" في مختلف المناطق اللبنانية، بهدف تحريضهم على ترك "تيار برّي" والانضمام إلى "حزب الله" النّاشئ الجديد.

عند ولادة  "حزب الله" لم يكن (السيد حسن نصر الله) عضوا في "القيادة" العليا للحزب، رغم دوره الأساسي فيه، و لم يكن حينها قد تجاوز الـ(22) عاماً.. و كانت مسؤولياته الأولى تنحصر بتعبئة المقاومين، و "إنشاء الخلايا العسكرية".

واصل (السيد حسن نصر الله) نشاطه العلمي في "المدرسة الدينية" في (بعلبك) الى جانب توليه مسؤولية "منطقة البقاع" في "حزب الله"، حتى العام (1985م)، حيث انتقل الى منطقة (بيروت)، و تولّى فيها مسؤوليات عديدة.‏‏

فبعد فترة تسلم (السّيّد حسن نصر الله) منصب "نائب مسؤول منطقة (بيروت)، الذي كان يشغله (إبراهيم أمين السيد)، "أحد نواب حزب الله" السابقين في "البرلمان اللبناني".

استمر (السيد حسن نصر الله) بالصعود على سلّم "المسؤولية" في "حزب الله"، فتولّى لاحقا مسؤولية منطقة (بيروت) (ثم استُحدث بعد ذلك منصب "المسؤول التنفيذي العام"، المكلّف بتطبيق قرارات "مجلس الشورى"، فشغله (حسن نصر الله).‏ 

في عام (1989م) غادر (بيروت) إلى (إيران)، و تحديدا إلى مدينة (قم)، لمتابعة "دروسه الدينية" هناك؛ و لكن "التطورات" الحاصلة على "الساحة اللبنانية"، و خصوصا لجهة "النزاعات المسلحة" بين "حزب الله" و "حركة (أمل) اضطرته للعودة مجددا إلى (لبنان)، و ذلك بعد عامٍ واحدٍ فقط.

عاد (السيد حسن نصر الله) ليكمل مسؤولياته بناءً لقرار "الشورى" و "إلحاح المسؤولين" و "الكوادر الأساسيين" و"تحت ضغط التطورات العملية و السياسية و الجهادية، في لبنان، آنذاك.‏‏

ظلّ ( السيد حسن نصر الله) بلا "مسؤوليّاتٍ محدّدة"، حتى انتخاب (عباس الموسوي) أميناً عاماً، حيث عاد (حسن نصر الله) إلى "مسؤوليته السابقة" ["المسؤول التّنفيذيّ العام"، في "حزب الله"].

في العام (1992م) اغتالت (إسرائيل) "أمين عام حزب الله" ( السيد عباس الموسوي)"، فتم الاتجاه إلى انتخاب (السيد حسن نصر الله) أمينًا عامًا للحزب على رغم أن سنّه كان "صغيراً" على تولي هذه "المسؤولية" - 32 عام - ؛ و لكنْ يبدو أن "صفات (السيد نصر الله) القيادية، و تأثيره الكبير على صفوف و أوساط قواعد "حزب الله"، قد لعبت دوراً مؤثراً في هذا الاتجاه.

و بالفعل كان لانتخابه "أميناً عاماً للحزب" الأثر الأبرز في تثبيت "وحدة الحزب"، بقوة بعد الضربة القاسية التي تلقاها باغتيال (السيد عبّاس الموسويّ).

‏ في ذلك العام، و بعد أشهر قليلة من اغتيال "الأمين العام السابق (الموسوي)"، فإن "حزب الله" اختار الدخول إلى قلب "المعترك السياسي" اللبناني، فشارك في "الانتخابات النيابية" التي جرت في ذلك العام (عام 1992م)؛ و هي أول انتخابات نيابية تجري بعد انتهاء "الحرب الاهلية في لبنان"؛ فحقّق فوزاً مهماً تمثل بوصول (12) نائباً من اعضائه إلى "البرلمان"، عن محافظتي "الجنوب" و "البقاع"؛ ثمّ كبرتْ هذه "الكتلة" وازدادت عدداً في "الانتخابات النيابية اللاحقة"، في الأعوام (1996م)، و (2000م)، و (2005م)؛ و قد عرفت باسم "كتلة الوفاء للمقاومة".

خاضت المقاومة الاسلامية خلال تولّي (السّيّد حسن نصر الله) "الأمانه العامة للحزب"، عدداً من "الحروب" و "المواجهات البطولية" مع "جيش الاحتلال الإسرائيليّ"، كان أبرزها عدوان  "حرب تصفية الحساب" في تموز (1993م)؛ و عدوان "حرب عناقيد الغضب" في نيسان (1996م)، التي توّجت بـ"تفاهم نيسان" الذي كان أحد المفاتيح الكبرى لتطور نوعي لعمل "المقاومة"، الأساسية.

في 13 أيلول – سبتمبر من عام (1997م) فقد (السّيّد حسن نصر الله) إبنه البِكر (هادي)، في مواجهات دارت بين "مقاتلي الحزب" و "جيش العدوّ الإسرائيلي" في منطقة "الجبل الرفيع" جنوب (لبنان). 

يحظى (السّيّد حسن نصر الله) باحترامٍ محلّيّ و إقليميّ و عالميّ، في الأوساط الاجتماعيّة و السّياسيّة المؤمنة بحقّ الشّعوب و الأمم في "المقاومة" و "تقرير المصير".

يقرأ (السيد حسن نصر الله) كثيراً، و خاصة "مذكرات" الشخصيات السياسية. و عن أعدائهِ و أعداء العرب و المسلمين و أعداء الإنسانيّة، فقد قرأ "مذكرات (شارون)"، و قرأ (نتنياهو) و بخاصّة كتابه "مكان تحت الشمس"، كما قرأ (بن غوريون) و غيره من رعيل الصّهاينة الأشهر و المؤسّسين؛ و هو يجد أنّ من الهامّ جدّاً التعرّف، جيّداً، على "العدوّ".‏‏

و بحسب "دراسة" صدرت عن "المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية بالأردن"، عام (2009م)، فإن (السيد حسن نصر الله) يُعدّ من بين أكثر (خمسين شخصية) تأثيراً في تاريخ "العالم الإسلامي".

و في كلّ حال فإنّ (السّيّد حسن نصر الله) هو، بحقٍّ، "رمزٌ" أسطوري من رموز "مقاومة الاحتلال" و "قوى الاستعمار" في العالم المعاصر.. و يَأْتِي  في رأس لائحة القادة التاريخيين الخالديين من أمثال: (عبد القادر الجزائري) و(عمر المختار)، و يرى العارفون بأن (السيد حسن نصر الله) هو علي رأس "الشخصيات القليلة" في العالم، التي تحسب لها (إسرائيل) الحسابات الجدّيّة؛ و هو - بالفعل- قائدٌ ورمزٌ أسطوريٌ تاريخي، سيبقي خالدٌا على مَرّ الأجيال.

يتمتع (السيد حسن نصر الله) بشعبية كبيرة في (لبنان) و في العالم العربي والإسلامي، محليّاً و عربيّاً و إسلاميّاً..، و عالميّاً أيضاً. و هو يحظى باحترام و تقدير الكثير من "علماء المسلمين"، "السّنّة"و "الشّيعة"، على حدّ سواء. و بالنسبة إليه، فإنّ "حزب الله" ليس "مقاومة" فقط، بل إنه اليومَ حاملٌ لفكر سياسي عام مبني بشكل طبيعي على الإسلام.. يقول:        

"بالنسبة إلينا، باختصار، الإسلام ليس ديناً بسيطاً من الطقوس و الأذكار, و لكنه فعلاً رسالة إلهية خاصة بالبشريّة"؛ كما يقول.

قدّم (السيد حسن نصر الله) نموذجاً حقيقيّاً للإسلام، ابتعد به عن جميع أنماطه الحديثة و المعاصرة الأخرى، تلك التي رأت في "الإسلام" دينَ عنفٍ متخلّفٍ و بدائيّ، و ذلك كما جعلت منه  بعضُ التّسييسات العقائديّة الهمجية للإسلام، و بخاصّة كـ"الإخوان المسلمون" و "الوهّابيّة" المتأسلمة المتوحّشة، و أضرابهما الأخرى التي تعتقدُ بالإسلام كعقيدةٍ إقصائيّة و تجريميّة و تحريفيّة و تكفيريّة، منافية للإنسانيّة و المحبّة و الخير والسلام.