د. بهجت سليمان: سلسلة القادة العظماء.. هوغو تشافيز

{سلسلة القادة العظماء}

ـ 12 ـ

(هوغو تشافيز)

ولد (هوغو تشافيز) في (28) تموز- يوليو عام (1954م) في أسرة "متوسطة الحال" في بيت جدته لأبيه.
متزوج و له (خمسة) أولاد. و هو الرّئيس الواحد و السّتّو، لـ(فنزويلّا).
انتسب (شافيز) إلى "الأكاديمية العسكرية" في (فنزويلّا) في سنّ الثّامنة عشرة، قبل أن يلتحق بجامعة (سيمون بوليفار) في (كاراكاس).

دخل (هوجو تشافيز) العسكريّ الشاب في طور التكوين، في "الحركة السريّة" في نهاية سنوات (1970م)، بعد استقطابه من طرف أخيه (أدان تشافيز)، المكلف بعدها بالاصلاح الزراعي بفنزويلا، و الذى كان آنذاك مناضلا بـ"حزب الثورة الفنزويلية" (PRV)..
و "حزب الثورة الفنزويلية" هذا متحدر من أصول "حرب الغِوار" [حرب "الغيوار": هي نمط من الحرب الشّعبيّة يؤلّف "الثّوار" فيها فرقاً صغيرة نسبيّاً. و يكون شكل عملها الرّئيسيّ شنّ الغارات المتكرّرة على قوّات العدوّ لإبادته شيئاً فشيئاً؛ و هي الشّكل الأساسيّ للحرب في المرحلة الأولى من الحرب الشّعبيّة الثّوريّة..
تسمّى أيضاً حرب العصابات؛ و حرب الأنصار (تجاوزاً)، وقد ائتلف (الحزب) عام (1962م) بجبهة "تحرير وطنى" و "قوات مسلحه للتحرير الوطنى" بتاثير من "اليسار الفنزويلي". عندما دَعَا "الحزب الشيوعى" مناضليه عام (1965م) إلى وقف النضال المسلح. فيما بعد تحولت "جبهة التحرير الوطني -حزب القوات المسلحة للتحرير الوطني" إلى "القوات المسلحة للتحرير الوطني - حزب الثورة الفنزويلية".

استأنف فيما بعد "حزب الثورة الفنزويلية" "حرب الغِوار"، و مارستْ عملاً سرياً داخل "الجيش".

تبنّى "الحزب الشيوعى الفنزويلي"، و "القوات المسلحة للتحرير الوطني"، (و فيما بعد "حزب الثورة الفنزويلية")، تبنّوا برنامجاً سياسيا معادياً للاقطاعية و للإمبريالية، بمنظور متعدّد المستويات. و قد منح هذا البرنامج البرجوازيه الوطنية مكانتها في "مشروع النظام الثوري".

بنى (تشافيز) داخل "القوات المسلحة" ما سيغدو لاحقاً "الحركة البوليفارية الثورية"، التي ستصبح أداة "الانتفاضة المدنية – العسكرية" ليوم 4 شباط - فبراير (1992م)، هذه الانتفاضة، المعروفة اكثر كـ "انقلاب"
[قام تشافيز بمحاولة انقلاب في (4) شباط- فبراير عام (1992م)، ضد الرئيس الفنزويلي (كارلوس أندريه بيريز)، فنجح أولا في السيطرة على جميع البلاد، عدا العاصمة (كراكاس)؛ ففشل الانقلاب، و اعتقل (شافيز) و أدخل السجن]..

و ذلك رداً من "الحركة البوليفارية" الثورية على قمع "عصيان 27 شباط - فبراير (1989م)" الشعبي (كاراكازو)، الذي كان حركة عفوية للجماهير المهمّشة في (فنزويلا) ضد جملة اجراءات "نيوليبرالية" وضعها (كارلوس اندريس بيريز). يومها اسقطت قوات الامن (3000) قتيلاً على أرصفة الشّوارع.

عندما صار (تشافيز) "قائد كتيبة المظليين" في الجيش الفنزويلي، كان على خلافٍ تامٍ مع الحكومة الفنزويلية برئاسة "كارلوس أندريس بيريز" ذات التوجهات الليبرالية الحديثة. كانت أوضاع الفقراء مدار اهتمامه اليوميّ..
حارب لتحويل بلاده إلى بلدٍ ينعم بالرخاء، لاسيّما أنّ (فنزويلّا) من أغنى الدول النفطية في العالم، إذْ يُقدّر دخل الدّولة من "النّفط" بـ(850 ) مليون دولاراً في الشّهر..

في الرابع من شباط - فبراير (1992م)، وقف "الضابط الفنزويلي الأسمر" المقدّم (هوغو تشافيز) أمام عدسات الكاميرات ليعلن فشل الانقلاب الذي قاده؛ و يدعو مؤيديه لإلقاء السلاح حقناً للدماء.

لم يكن خطابه "استسلاماً"، بل خطاب تحدّ، أكّد فيه أن التحرك مستمرّ من أجل إسقاط الطغمة اليمينية الحاكمة، ماجعل "السلطات الفنزويلية"، آنذاك، تندم على طلبها منه توجيه هذا النداء.

بعد سنتين تمت تنحية الرئيس (أندريه بيريز)، و تولى (رافائيل كالديرا) السلطة، فخرج (تشافيز) من السجن.

بعد الافراج عنه عام (1994م) أسس (تشافيز) مع بعض أصدقائه الضباط "حركة سرية" أطلقوا عليها اسم (سيمون بوليفار)، تيمناً باسم الزعيم الأمريكي الجنوبي الذي كان من أبرز مقاومي "الاستعمار الإسباني" في (القرن التاسع عشر)؛ و قام (تشافيز) ببعث حزب سياسي "حركة الجمهورية الخامسة" و الذي مثّل نسخة مدنية للحركة الثورية التي كان قد أسسها قبل سنتين من ذلك ليترشح عام(1998م) للانتخابات الرئاسية.

حظي (تشافيز) بمساندة اليساريين و الطبقات الفقيرة، وأعلن عن برنامج يركز على محاربة الفقر و الفساد و الرشوة، فحصل على نسبة 56% في انتخابات كانون الأوّل- ديسمبر عام (1998م)، و بفوز (تشافيز) في الانتخابات، أعلن عام (1999م) عن بدء "الثورة الخامسة"، "ثورة بوليفار"، معاستلهام معظم أفكاره الإصلاحية من أفكار (بوليفار) نفسه.

وفي العام (1999م) أصبح (تشافيز) رئيساً للبلاد في 2 شباط – فبراير، و عرف بحكومته ذات السلطة الديمقراطية الاشتراكية و اشتهر بمناداته بتكامل أمريكا اللاتينية السياسي و الاقتصادي مع معاداته للإمبريالية و انتقاده الشديد لأنصار "العولمة" من الليبراليين الحديثين و للسياسة الخارجية لـ (الولايات المتحدة الأمريكية).

في العام (1999م)، و بعد إجراء استفتاء، صوّت الشعب لصالحه بـ(92) في المائة من الاصوات، و تمّ إنشاء "مجلس تأسيسي" [أسس "المجلس الدستوري"، و تضمن هذا المجلس المُثقفين و الفقراء]، أوكلت له مهمة كتابة دستور جديد للدّولة.

عندما تسلّم الرئاسة، قال في "قسمهِ الرئاسي"؛ الذي خرج فيه عن البروتوكول المعتاد:

"في (فنزويلا) أكبر احتياطي للنفط في العالم؛ في (فنزويلا) خامس أكبر احتياطي للغاز في العالم؛ كل هذا و 80% من شعبها فقراء".

"أُقسم أمام شعبي، و فوق هذا الدستور الذي يحتضر، أن (فنزويلا) ستمتلك "دستوراً" جديداً مناسباً للأجيال القادمة".

أعلن (تشافيز) أن "المسيح" كان أول اشتراكيّ..، و بأنه سيسير على خطاه. كما أعلن عن مناهضته الصّريحة لـ "العولمة"، وضرورة وجود عدة "محاور" و "أقطاب" في العالم، في خطاب سياسى معادٍ لـ(أمريكا).

اصطدم بشكل مباشر مع "رجال الدين"، و اتهمهم بتجاهل الفقراء، و الوقوف إلى جانب "المعارضة"، و الدفاع عن الأثرياء. كان (تشافيز) يُخاطب شعبه دائماً، من خلال برنامجه الأسبوعي على التلفزيون الرسمي بعنوان "مرحباً أيها الرئيس".

تضمن "برنامج (تشافيز)"، العديد من الإصلاحات "الدّستوريّة" الهامة، كان من أهمها تغيير اسم "الدولة" (إلى "جمهوريّة فنزويلّا البوليفاريّة")، و سن "قانون" جديد لزيادة فترة الرئاسة إلى (6) سنوات، مع إمكانية إجراء انتخابات فورية، يتم فيها الاتصال مباشرة بين الرئيس و الشعب.

عندما تسلّم (تشافيز) السّلطة في (فنزويلّا)، كان 50%من المواطنين في بلاده تحت "خط الفقر"، بينما كانت هذه البلاد من أغنى "الدول النفطية" في العالم. و استطاع أن يحقق نقله اجتماعية ضخمة من خلال التركيز على رفع المستوى الاجتماعي، و محو الأمية كهدفٍ أساسي، و التركيز على رفع مستوى المعيشة للمواطنين من خلال "تأميم النفط" و إعادة توزيع عائداته على المواطنين، و رفع شعار "القضاء على بيوت الصفيح"، التي كانت منتشرة في (فنزويلا) بسبب الحالة الاقتصادية المتردية؛ و تبنى مشروع إنشاء (200) ألف مسكن اقتصادي توزع مجانا على المحتاجين.

في سنة (2000م)، أعيد انتخاب (تشافيز) رئيساً للجمهورية التي باتت تسمى "جمهورية فنزويلا البوليفارية"؛ غير ان تدهور اسعار النفط في (2001م)، أدّى الى اندلاع أزمة اقتصادية كبيرة في البلاد.

أدّى اتخاذ (تشافيز) إجراءات لإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية، التي منها تبنّي إصلاحات زراعية و تأميم قطاع النفط، و الاستحواذ على مساحات شاسعة من الاراضي الساحلية..؛ أدّى إلى موجة غضب عارمة في صفوف قطاع واسع من السكان.

من جانبها دعت "المعارضة" و أرباب العمل الى شن سلسلة من الاضرابات ما أدى إلى تعميق الازمة التي أدّت إثر ذلك الى محاولة الانقلاب ضد نظام (تشافيز) في (2002م)؛ غير أن أنصار الرئيس أعادوه إلى الحكم في غضون ساعات معدودات.

فاز (تشافيز) بفترة رئاسية أخرى في انتخابات العام (2006م).

يوصفُ (تشافيز) بأنّه مزيجٌ "فنزويلي" لاذع و خطر. "ماركسيّ" أقربُ إلى (تروتسكي)، و هذا ما يجعله مغامراً نموذجيّاً و متمرّداً عنيداً؛ اعتنق أفكار "محرر أمريكا اللاتينية"(سيمون بوليفار)..
كان يحلم ببناء "الاشتراكية الجديدة للقرن الحادي و العشرين". "مطرب هاوٍ"، و "راقص" أيضاً؛ كما أنّه مقدم برنامج تلفزيونيّ شهير هو "هلّلو يا رئيس" على الهواء؛ وساخر و صاحب نكتة كما تللك التي كان يوجّهها إلى الرّئيس الأمريكيّ (جورج دبليو بوش)!

كان بروز (تشافيز) على الساحة السياسية عام (1992م) نتيجة لاستراتيجية "قوى اليسار" داخل "الجيش" المكونة أغلبيته من عناصر ذات أصول شعبية تتلقى قسماً من تكوينها في "الجامعات العامّة"، ما جعلها قابلة للتأثر بالفكر "الماركسي" و "التقدمي" الذي ينشره بعض "الجامعيين" و"المناضلين الثوريين".

مكّنت "ثورة (تشافيز)" الآلاف من "الفنزوليين" من الحصول على التعليم و التمتّع بالخدمات الصحية، و تأمين مصدر العيش. كما تقلصت نسبة الفقر بشكل كبير رغم تواصل ظاهرة التفاوت الطبقي و تواصل ضعف الاقتصاد الفنزويليالذي يعتمد كليا على النفط.

خضعتْ علاقات (تشافيز) الدّوليّة لفكرة مهيمنة واحدة وهي العداء لـ(الولايات المتحدة الامريكية). و عُرف بعُلاقته المميّزة بالرئيس الإيراني (محمود أحمدي نجاد) و الزعيم الليبي السابق (معمر القذافي) و الرئيس الكوبي السابق (فيديل كاسترو)، حيث كان (تشافيز) يسعى الى تكوين ما أسماه "محور الخير" لخلق "قوة مضادة للإمبريالية الأمريكية" كما كان يقول.

كان (تشافيز) يسعى في كل قمة لـ(اتحاد دول جنوب أمريكا) إلى الدعوة إلى تحقيق اكتفاء ذاتي لهذه الدول؛ حيث قام بإحياء مشاريع تنموية مشتركة و صندوق مالي مشترك لتمويل المشاريع للتخلص من هيمنة "صندوق النقد الدّوليّ" و"البنك الدوليّ". كما كان يدعو إلى انشاء عملة مشتركة لتحقيق الاستقرار المالي في "المنطقة".

كان معروفاً بعدائه لـ(لولايات المتحدة) على طول الطريق؛ حيث اتهمها بدعم محاولة انقلاب عسكري أبعده عن السلطة لمدة يومين في العام (2002م). و في العام (2004م)، نجح في نزع فتيل الأزمة التي حاولت واشنطن تغذيتها بين (فنزويلا) و(كولومبيا) على الحدود بين البلدين.

عُرف بمعاداته الشديدة لـ (إسرائيل)؛ و كان مُقرّباً جداً من الزعماء العرب؛ و عُرف بوقوفه بجانب "القضية الفلسطينية" دائماً؛ حيث لقّبه الكثيرون بـ"صديق العرب" أو "صديق فلسطين"، أو "(تشافيز) العربي"

حين قامت إسرائيل بالعدوان على قطاع غزة عام (2009م)، أعلن (تشافيز) أن (فلسطين) هي دولة مستقلة حرة، و أن "السّفير الإسرائيلي" شخصٌ غير مرغوب به على "الأراضي الفنزويلية". فأعاده إلى (إسرائيل)، و سحب "سفيره" من (تل أبيب)، و قلّص التعامل مع (إسرائيل) إلى أدنى مستوى، حيث قال:

"ينبغي جرّ الرئيس الإسرائيلي إلى محكمة دولية و معه الرئيس الأمريكي، لو كان لهذا العالم ضميرٌ حيّ.

"يقولون أن الرئيس الإسرائيلي شخصٌ نبيل يدافع عن شعبه؛ أيّ عالم عبثي هذا الذي نعيش فيه؟".

خلال رحلته القصيرة تلك، نجح (تشافيز) في تحويل "البلاد" إلى "دولة" تتمتع بقدرٍ كافٍ من الرّخاء الاجتماعيّ.

وفي الخامس من آذار- مارس من العام (2013م)، فارق الرئيس الفنزويلي (هوغو تشافيز)، الحياة.