عادل محمود صانع الأحلام يرحل مشبعا بالخيبة

شاعر الاعتراض وروائي وكاتب سيناريو واجه خطاب السلطة السورية بجرأة
سامر محمد إسماعيل
أنهى عادل محمود (1946 - 2022) أمس غيبوبته التي كان قد دخلها قبل أشهر طويلة بعدما خضع لعمل جراحي معقد في الدماغ.
رحل الشاعر عن 76 سنة وامتلأت صفحات "فيسبوك" لعدد من أصدقائه، شعراء ومثقفين وفنانين، بنصوص رثائية ودعوا بها الشاعر والروائي السوري الذي كان لمع نجمه كصحافي وكاتب زاوية رأي في المجلة الثقافية "الطليعة" خلال النصف الثاني من القرن الـ 20، حين كان لهذه المجلة حضورها في الوسط الثقافي السوري نظراً إلى الأسماء التي كتبت فيها، فكانت تضم في أسرة تحريرها زكريا تامر ونذير نبعة وصفوح الأخرس وخلدون الشمعة وبدر الدين عرودكه وعلي الجندي وممدوح عدوان.
كان عادل محمود يعتقد أن "الكتابة هي محاولة لإنجاز النقصان"، وأن القصيدة يجب أن يكون لها ظلال توحي بغموض ولو نسبي يزيد جماليتها ورنينها ووقعها في نفس المتلقي.
ينتمي محمود بقوة إلى جيل شعراء السبعينيات الذي شكل منعطفاً في الذائقة السورية التي ابتعدت من شعراء القضايا الكبرى والقصيدة الخطابية التي تلهب قلوب الجماهير مفضلة القصيدة الخافتة، بديلاً عن قصائد التعبئة السياسية والحربية، ولهذا جاءت أشعار محمود مع رفاق دربه مثل نزيه أبو عفش وبندر عبد الحميد ومنذر مصري ورياض الصالح الحسين بمثابة "جرأة على الشّعر، لكون هذا الجيل كان يطمح دوماً الى جعل الشعر أبسط من فكرة الناس عنه"، كما يقول الناقد محمد جمال باروت في كتابه "الشعر يكتب اسمه".
إخفاق الشعارات
خاض صاحب "انتبه إلى ربما" (2006) حواراً جريئاً مع السلطة في أواخر السبعينيات من القرن الفائت على خلفية أحداث الإخوان المسلمين، وأوضح آراءه بحدة في طريقة إدارة حكم البلاد من قبل حزب البعث، وعن تلك الفترة قال "كل الأهداف التي أعلنت كثوابت للبعث (الوحدة والحرية والاشتراكية) لم يتحقق منها شيء، فبدلاً من الوحدة تمزق النسيج الاجتماعي السوري، أما الاشتراكية فكانت تعميماً للفقر وتركيزاً للمال بيد لصوص المرحلة وطبقة الثراء والفساد، أما الحرية فتعني السجن والاعتقال وكم الأفواه. الحرية كانت أيضاً تعني تحرير الأراضي السورية المحتلة، لكن ماذا حدث؟ أراض إضافية ذهبت بعد هزيمة 1967، وبدلاً من أن نسترد لواء إسكندرونة من الأتراك خسرنا الجولان، وعوضاً عن تحسين الحياة المعيشية للسوريين كانت النتيجة إفقارهم".
وأدت هذه الآراء إلى منع عادل محمود من الكتابة في الصحف السورية مع كل من رفاق جيله ميشال كيلو وممدوح عدوان وسهيل إبراهيم، مما جعله يطلق على نفسه وعلى رفاقه لقب معترضين لا معارضين، وهم مجموعة من المثقفين والفنانين والحقوقيين الذين عارضوا ثنائية الفساد والاستبداد، وانتقدوا قانون الطوارئ والأحكام العرفية بدلاً من دولة العدل والقانون.
ولد عادل محمود في قرية عين البوم بين جبال صلنفة (17 كيلومتراً شمال مدينة اللاذقية) لأسرة تعمل في الزراعة، فعاش منذ طفولته صديقاً للطبيعة التي شكل جريان أنهارها في الأودية وحياتها القاسية بين الجبال ملهماً أبدياً له، فرافقت سيرة النهر أشعاره، مثلها مثل أحداق الذئاب التي كانت تضيء تخوم قريته في ليالي البرد والجوع الشتوية. انتقل بعدها صاحب "ضفتاه من حجر" (1981) لدرس المرحلة الثانوية في مدينة اللاذقية، وليكمل عام 1965 دراسته للأدب العربي في دمشق، وهناك نشر محمود أول قصة قصيرة له في مجلة الجامعة فكانت بمثابة ملامسات أولى للكتابة، وتمهيداً لعمله الباكر في الصحافة الثقافية، فحتى بعد تخرجه من كلية الآداب الدمشقية عام 1972 أمضى محمود خدمته الإلزامية في مجلة "جيش الشعب" ومراسلاً حربياً على الجبهة في حرب عام 1973.
رمية نرد

كتابه الأول "قمصان زرق للجثث الفاخرة" جاء عام 1979 بمثابة رمية نرد في عالم الكتابة الشعرية السورية، أما الثاني فلم يتأخر وجاء عام 1982 بعنوان "مسودات عن العالم"، وفيه نلاحظ قدرة الشاعر على إبداع نص بعيد من الصراخ الأيديولوجي، لكن الشاعر ما لبث أن صمت لسنوات طويلة في رحلة 10 سنوات، بدأت عام 1983 إلى قبرص ليعمل هناك في مجلة "البلاد" التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وليسافر بعدها إلى يوغسلافيا السابقة، ومن ثم إلى تونس إذ قضى هناك أربع سنوات كمدير تحرير لمجلة "لوتس". يعود الشاعر من ثم إلى دمشق عام 1994 ليعمل كمشرف على قراءة النصوص في شركة إنتاج سينمائي، مصدراً عام 2000 كتابه الشعري "استعارة مكان" ويتبعه بكتابه "حزن معصوم عن الخطأ" (2003)، مستأنفاً الكتابة كحفيف لغوي خرج نهائياً من هدير المنابر التي سكتت دفعة واحدة بعد الخيبات الكبرى، فبعد أن كانت قصيدة الستينيات تجد أن توظيف الكلمة على أنها رصاصة، وأن القصيدة أداة تغيير، وأن الشعر يجب أن يهز الجماهير ويؤدي دوره في عملية التعبئة الوطنية ضد العدو، تبين لجيل عادل محمود أن كل هذه التعبئة الشعرية أوصلت الناس إلى نوع من الهزائم الكبرى والتي لم تقتصر فقط على خسائر الميدان، بل كانت بمجملها هزائم معنوية.