ساغان- باريس الحلقة الأولى
علي بدر- فينكس
كنت في مفرق الأوديون في باريس، أخذت السماء تمطر. بدا كل شيء في المشهد قد سبح تماماً بالماء: المحلات، الشوارع، وجوه العابرين، السيارات، الأشجار، كراسي الخمارات المنصوبة على الرصيف، أما النساء اللواتي يرتدين المعاطف المطرية ويحملن المظلات، فكن يمشين بهدوء ليصلن محطة المترو من جهة جادة ليبرون، بينما يركض الآخرون ويحتمون بالأفاريز ومظلات المحلات في السان جرمان دوبريه. وقفت تحت إفريز أيضا، رفعت عيني أصبحت صورة فرانسواز ساغان كبيرة موضوعة في إطار على جدار مبنى الأوديون أمامي.
ربما بلحظة واحدة أعادتني هذه الصورة إلى زمن ساغان، باريس الخمسينيات حين كتبت هذه الصغيرة روايتها "وداعا أيها الحزن"

من لم تذهله هذه الصغيرة التي بلغت المجد والمدائح قبل عامها العشرين، لقد هزت هذه المرأة التي لم تكبر منذ مراهقتها عالم الأدب ب"صباح الخير أيها الحزن في العام 1954" وكانت الحياة الثقافية الباريسية أوان ذاك في أوجها، أوج اشتعالها بالتيارات والحركات والموضات الأدبية، لقد خطفت –وهي في عامها السابع عشر-الأضواء من جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار وأندريه مالرو وآراغون وجان كوكتو وصموئيل بكيت.
لقد هزت هذه الصغيرة تاريخ الرواية باسمها المستعار SAGAN المأخوذ من رواية بروست "البحث عن الزمن المفقود"، وبعنوان روايتها الأولى صباح الخير أيها الحزن( Bonjour tristesse) المأخوذ من بيت في قصيدة لإلوار، فمن قرأها ولم يذهله هذا الجشع المتلطف، والتجرد العظمي في اللغة، والسذاجة المراهقة، والنبوغ الذي لا يحد، أما هذه الشهوانية التي عكرت صفو الكبار وفلسفاتهم الخرساء فهي التي جعلت من المدموزيل المجهولة أسطورة لا تضارع في الخمسينات.
روايات ساغان هي عالم الجاز في السان جرمان دوبريه، عالم الرفاهية التي لا تقاوم، عالم العيش في الفنادق الراقية، وركوب السيارات السبورت، عالم المدموزيل المجهولة في بونجور ترستس، شفافية اللغة التي تنقل وقائع الحياة على خليج الريفيرا حيث أحداث الرواية العاصفة التي ترويها سيسيل عارضة الجمال النادر.
تروي وهي على حافة الأنوثة والنضوج المبكر، حياة الأب رايموند المترمل المتصابي، محب النساء، المغامر الفاسد، الخبيث والحنون معاً، وعلى الخلفية منزل العائلة العظيم حيث تقيم سيسيل بعد أن تنهي مدرستها الداخلية، فتعيش حياة باريس البرجوازية الليلية غير المراقبة: الولع بالحب، وبالسيارات السريعة، بالمتع والمسرات، بالتلذذ غير المحدود بنداوة الرقص وطراوة الليل على موسيقى الجاز والكحول، وبالرغم من غرام سيسيل بطالب قانون تلتقيه في إحدى الحفلات إلا أنها تحطم حياة والدها العاطفية، بعد أن يتعرف على سيدة يريد الزواج منها.
فتجري أحداث الرواية العاصفة على خلفية عالم من المغامرات المحبوكة بصورة ثرية، عالم الجشع غير المتلطف والخدر اللذيذ الذي تنقله لغة بسيطة بشكل خادع في التركيب، تعرض صورها المركّبة بشكل جميل دوافع الشباب المستميتة لفهم العالم والسيطرة عليه.
لقد كان اندفاع سيسيل العاصف مشابهاً لاندفاع ساغان في العالم المخملي الذي لا يمل، المغامرات العاطفية في فندق الريتز، الاستلقاء على شواطئ سانت تروبيز، حياة الكسل العظيمة التي وفرها المال ومجتمع الأثرياء، خمول الحسناوات اللذيذ، الهدوء القدري وصخب الحياة المخملية.
هذه الفاتنة الشاحبة التي دخلت عالم الأدب بعامها السابع عشر، ببنطلونها الكتان وحذائها التاب، مسحت بجملها اللذيذة عالم صموئيل بكيت المأساوي الميت حين وقف أمامها نصف ساعة غير قادر على الكلام فقالت في نفسها إن وقوفه صامتا هو اللامعقول، وحين تقرب منها نطق وقال لها:
" إن المرأة هي اللامعقول"

قالت له: سيدي ألم تجد كلمة أحسن من هذه لتغازل بها امرأة.
بعد صباح الخير أيها الحزن تهاوى سارتر الذي أسرع ليقول أن روايتها تجسد فلسفته، فكتب واحدة من أجمل مقالاته عنها في الفيغارو في العام 1954 مدافعاً عن ضجر الصبايا الفاتنات، كما تهاوت بروليتاريات أراغون الذي حسدها لاستمتاع الفقراء الباريسيين بقراءة عالمها البرجوازي أكثر من إقبالهم على قراءة روايته البروليتارية المتيبسة، لقد كانت وصفتها سحرية بحق، ومذهلة بصورة جلية وفاضحة: الجذب عن طريق النثر الحي الواضح والسريع، والمخيلة الخصبة، والصراحة الفجة، والإنشاء المغامر المعبر دون تزييف، والمشاعر المشغولة دون عناية كافية، وهذه الحركات الإغوائية من الصغيرة الهزيلة الشقراء والشاحبة والتي كانت توحد حياتها الصاخبة بشخصياتها الروائية ذات العوالم المتعددة، شخصية سيسيل في صباح الخير أيها الحزن، شخصية دومنيك في رواية ابتسامة ما هذه الشخصية القاسية دون قصد، والسطحية دون أسرار، الشخصية المفسدة دون استسلام، والباحثة عن أسرار مؤلمة دون أفكار، دومينيك الطالبة التي تعيش في باريس وتقع في غرام لوك الشاب المتهكم والنحيف، والذي يلعب معها لعبة عاطفية سائدة في ليالي باريس، فتدمر سروره المسروق، وتجعله يعيش ذنبا أكثر لذوعة من التوابل.
هذه الرواية الهادئة المشغولة بقواعد اللعب والحب أكثر من قواعد اللغة والفن، المشغولة بالحب المستحيل ومشاعر الفتاة التي تعيش أول تجربة حب أكثر من انشغالها بتطهير العواطف، المشغولة بالكلام المتأنق أكثر من انشغالها بالجمل المستهلكة في الإنشاء، المنشغلة بالحب العفوي أكثر من انشغالها بالشرط الإنساني المعقد في الفلسفات والعلوم.
رواية تعرض حياة صبية ضجرة من حياتها الجامعية، ضجرة من روتين الدراسة والامتحانات، تحب ثم تضجر من حبيبها لوك ومن هزله ومن تهكمه ومن عيشها على سريره في حجرته في باريس، فتقع في غرام رجل أعمال وسيم وإغوائي ولعوب ومتحمس وثري ومتزوج وناجح، فتهتز لغة الرواية وتتشوش مع اضطراب دومنيك وتلعثمها في حبها، وتتفجر الأحداث بصورة كاملة حتى الكلمات الأخيرة من الرواية.